محمد بن جرير الطبري
163
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فرضَ عمل ، إلا بعدَ إعطائه المعونة على فعلِه وعلى تركِه . ولو كانَ الذي قالوا من ذلك كما قالوا ، لبطلت الرَّغبة إلى الله في المعونة على طاعته . إذ كان - على قولهم ، مع وجود الأمر والنهي والتكليف - حقًّا واجبًا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه ، سأله عبدُه أو تركَ مسألة ذلك . بل تَرك إعطائه ذلك عندهم منه جَورٌ . ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا ، لكان القائل : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، إنما يسأل رَبَّه أن لا يجور . وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا - على تصويب قول القائل : " اللهم إنا نستعينك " ، وتخطئَتِهم قول القائل : " اللهم لا تَجُرْ علينا " - دليل واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولهم . إذْ كان تأويلُ قول القائل عندهم : " اللهم إنّا نستعينك - اللهم لا تترك مَعونتنا التي تركُكَها جَوْرٌ منك . فإن قال قائل : وكيف قيل : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، فقُدِّم الخبرُ عن العِبادة ، وأخِّرتْ مسألةُ المعونة عليها بعدَها ؟ وإنما تكون العِبادة بالمعونة ، فمسألةُ المعونة كانت أحقَّ بالتقديم قبلَ المُعَان عليه من العمل والعبادةُ بها . قيل : لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه ، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان ، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل - كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه . كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها : " قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليّ " ، فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك ، أو قلتَ : أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي " ، فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة . لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن ، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ . فكذلك سواءٌ قول القائل : اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك ، وقوله : اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ .