محمد بن جرير الطبري

162

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

حدثني بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، قال : إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا كلها ( 1 ) . فإن قال قائل : وما معنى أمر الله عبادَه بأن يسألوه المعونةَ على طاعته ؟ أوَ جائزٌ ، وقد أمرهم بطاعته ، أن لا يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه : إياك نستعين على طاعتك ، إلا وهو على قوله ذلك مُعانٌ ، وذلك هو الطاعة . فما وجهُ مسألة العبد ربَّه ما قد أعطاه إياه ؟ قيل : إن تأويلَ ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه ، وإنما الداعي ربَّه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه ، داعٍ أن يعينه فيما بقي من عُمره على ما كلّفه من طاعته ، دون ما قد تَقضَّى ومَضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره . وجازت مسألةُ العبد ربَّه ذلك ، لأن إعطاء الله عبدَه ذلك - مع تمكينه جوارحَه لأداء ما كلَّفه من طاعته ، وافترض عليه من فرائضه ، فضلٌ منه جل ثناؤه تفضّل به عليه ، ولُطْف منه لَطَف له فيه . وليس في تَركه التفضُّلَ على بعض عبيده بالتوفيق - مع اشتغال عبده بمعصيته ، وانصرافه عن مَحبته ، ولا في بَسطه فضلَه على بعضهم ، مع إجهاد العبد نفسه في مَحبته ، ومسارعته إلى طاعته - فسادٌ في تدبير ، ولا جَور في حكم ، فيجوز أن يجهلَ جاهل موضع حُكم الله في أمرِه عبدَه بمسألته عَونَه على طاعته ( 2 ) . وفي أمر الله جل ثناؤه عبادَه أن يقولوا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، بمعنى مسألتهم إياه المعونةَ على العبادة ، أدلُّ الدليل على فساد قول القائلين بالتَّفويض من أهل القدر ( 3 ) ، الذين أحالوا أن يأمُرَ الله أحدًا من عبيده بأمرٍ ، أو يكلّفه

--> ( 1 ) الخبر 172 - هو بالإسناد الضعيف قبله . وأشرنا إليه هناك . ( 2 ) في المطبوعة : " حكم الله وأمره عبده " ، وفي المخطوطة : " حكم الله امره " بغير واو . والذي أثبتناه أصوب . والحكم : الحكمة ، كما مر مرارًا ( 3 ) أهل القدر : هم نفاة القدر لا مثبتوه . والقائلون بالتفويض هم القدرية والمعتزلة والإمامية . يزعمون أن الأمر فوض إلى الإنسان ( أي رد إليه ) ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده .