محمد بن جرير الطبري

161

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا . وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نَخشع ونذلّ ونستكينُ ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف - وإن كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة - لأنّ العبودية ، عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة ، وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام ، وذلّلته السابلة : معبَّدًا . ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد : تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعت . . . وَظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ ( 1 ) يعني بالموْر : الطريق . وبالمعبَّد : المذلَّل الموطوء ( 2 ) . ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج : معبَّد . ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه . والشواهد على ذلك - من أشعار العرب وكلامها - أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى . * * * القول في تأويل قوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } . قال أبو جعفر : ومعنى قوله : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) : وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها - لا أحدًا سواك ، إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك ، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة . 172 - كالذي حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال :

--> ( 1 ) ديوان الستة الجاهليين : 31 . يصف ناقته . تباري : تجاريها وتسابقها . والعتاق جمع عتيق : وهو الكريم المعرق في كرم الأصل . وناجيات : مسرعات في السير ، من النجاء ، وهو سرعة السير . والوظيف : من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه . وعنى بالوظيف هنا : الخف . ( 2 ) في المخطوطة : " الموطن " ، وهو قريب المعنى .