محمد بن جرير الطبري
153
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يريد : يا جزءُ ، وكما قال الآخر : كَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَنْكِحُونَهَا ، . . . بَني شَاب قَرْنَاها تَصُرُّ وتَحْلبُ ( 1 ) يريد : يا بني شابَ قرْناها . وإنما أوْرطه في قراءة ذلك - بنصب الكاف من " مالك " ، على المعنى الذي وصفتُ - حيرتهُ في توجيه قَوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وِجْهَته ، مع جر ( مالك يوم الدين ) وخفضِه . فظنّ أنّه لا يصحّ معنى ذلك بعد جرِّه ( مالك يوم الدين ) ، فنصب : " مالكَ يوم الدين " ليكون ( إياك نعبد ) له خطابًا . كأنه أراد : يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نَستعين . ولو كان عَلم تأويل أول السورة ، وأن " الحمدُ لله رَبّ العالمين " أمرٌ من الله عبدَه بقيلِ ذلك - كما ذكرنا قبلُ من الخبر عن ابن عباس : أن جبريلَ قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ذكره : قل يا محمد ، ( الحمدُ لله رب العالمين الرحمن الرحيم مَالكِ يوم الدين ) ، وقل أيضًا يا محمد : ( إياك نَعبد وإياك نَستعين ) ( 2 ) - وكان عَقَل ( 3 ) عن العرب أنَّ من شأنها إذا حكَت أو أمرت بحكاية خبرٍ يتلو القولَ ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب ، وتخبرَ عن الغائب ثم تعودَ إلى الخطاب ، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب ، كقولهم للرجل : قد قلتُ لأخيك : لو قمتَ لقمتُ ، وقد قلتُ لأخيك : لو قام لقمتُ ( 4 ) - لسَهُل عليه مخرجُ ما استصعب عليه وجْهتُه من جر " مالك يوم الدين " .
--> ( 1 ) نسبه في اللسان ( قرن ) ومجاز القرآن : 100 إلى رجل من بني أسد والبيت في سيبويه 1 : 295 / 2 : 7 ، 65 ، وهو شاهد مشهور . " وبني شاب قرناها " يعني قومًا ، يقول : بني التي يقال لها : شاب قرناها ، أي يا بني العجوز الراعية ، لا هم لها إلا أن تصر ، أي تشد الصرار على الضرع حتى تجتمع الدرة ، ثم تحلب . وذلك ذم لها . والقرن : الضفيرة . ( 2 ) انظر : 151 ، 155 . ( 3 ) عطف على قوله : " ولو كان علم . . . " . ( 4 ) جواب " لو كان علم . . . وكان عقل " .