محمد بن جرير الطبري
154
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ومن نظير " مالك يوم الدين " مجرورًا ، ثم عَوْده إلى الخطاب ب " إياك نعبد " ، لما ذكرنا قبل - البيتُ السائرُ من شعر أبي كبير الهُذَلي : يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ . . . وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ ( 1 ) فرجعَ إلى الخطاب بقوله : " وبياضُ وَجْهك " ، بعد ما قد مضى الخبرُ عن خالد على معنى الخبر عن الغائب . ومنه قول لبيد بن ربيعة : بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً . . . وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا ( 2 ) فرجع إلى مخاطبة نفسه ، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب . ومنه قول الله ، وهو أصدق قيلٍ وأثبتُ حجةٍ : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [ سورة يونس : 22 ] ، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب ، ولم يقل : وَجرَين بكم . والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه . فقراءة : " مالكَ يوم الدين " محظورة غير جائزة ، لإجماع جميع الحجة من القرّاء وعلماء الأمة على رَفض القراءة بها . * * *
--> ( 1 ) ديوان الهذليين 2 : 101 . في المطبوعة : " جلدة " وهو خطأ وقوله " جدة " يعني شبابه الجديد . والجدة : نقيض البلى . والتراب الأعفر : الأبيض ، قل أن يطأه الناس لجدبه . وخالد : صديق له من قومه ، يرثيه . ( 2 ) القسم الثاني من ديوانه : 46 ، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء : ص 50 وذكر البيت وبيتًا معه ، أنهما قد رويا عن الشعبي ( ابن سعد 6 : 178 ) ، وهما يحملان على لبيد ، ثم قال : " ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث ، ويستعان به على السهر عند الملوك والملوك لا تستقصي " . أجهش بالبكاء : تهيأ له وخنقه بكاؤه .