محمد بن جرير الطبري
130
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
كان هذا القول موافقًا معناه معنى ذلك ، في أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم ، وأن للرحيم تأويلا غيرَ تأويل الرحمن . والقول الثالث في تأويل ذلك ما : - 149 - حدثني به عمران بن بَكَّار الكلاعي ، قال : حدثنا يحيى بن صالح ، قال : حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللَّخمي من أهلِ فلَسْطين ، قال : سمعت عطاء الخراساني يقول : كان الرحمن ، فلما اختزلَ الرحمن من اسمه كان الرحمنَ الرحيمَ . ( 1 ) والذي أراد ، إن شاء الله ، عطاءٌ بقوله هذا : أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمَّى بها أحد من خَلْقِه ، فلما تسمَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله إياه ، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه " الرحمنُ الرحيمُ " ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَّى بأسمائه ، إذ كان لا يسمَّى أحد " الرحمن الرحيم " ، فيجمع له هذان الاسمان ، غيره جلّ ذكره . وإنما يتسمَّى بعضُ خَلْقه إما رحيما ، أو يتسمَّى رَحمن . فأما " رحمن رحيم " ، فلم يجتمعا قطّ لأحد سواهُ ، ولا يجمعان لأحد غيره . فكأنّ معنى قول عطاء هذا : أن الله جل ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن ، بين اسمه واسم غيره من خلقِه ، اختلف معناهما أو اتفقا . والذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى ، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين ، إبانةً لها من خلقه ، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه ، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما .
--> ( 1 ) الأثر 149 - نقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 9 ونسبه للطبري وحده . وعطاء الخراساني هو عطاء بن أبي مسلم ، وهو ثقة ، وضعفه بعض الأئمة . وهو كثير الرواية عن التابعين ، وكثير الإرسال عن الصحابة ، في سماعه منهم خلاف . وأما الراوي عنه " أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي " ، فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع ، إلا قول الدولابي في الكنى والأسماء 1 : 110 : " أبو الأزهر الفلسطيني نصر بن عمرو اللخمي ، روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي " .