محمد بن جرير الطبري

131

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقد زعم بعضُ أهل الغَباء أنّ العرب كانت لا تعرف " الرحمن " ، ولم يكن ذلك في لغتها ( 1 ) ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ) [ سورة الفرقان : 60 ] ، إنكارًا منهم لهذا الاسم ، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته ، أوْ : لا وكأنه لم يتْلُ من كتاب الله قول الله ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ) - يعني محمدًا - ( كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) [ سورة البقرة : 146 ] وهم مع ذلك به مكذِّبون ، ولنبوته جاحدون ! فيَعلمَ بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقةَ ما قد ثبت عندهم صحتُه ، واستحكمتْ لديهم معرفتُه . وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء : أَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَا . . . أَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا ( 2 ) وقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي : ( 3 ) عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ . . . وَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ ( 4 )

--> ( 1 ) لا يزال أهل الغباء في عصرنا يكتبونه ، ويتبجحون بذكره في محاضراتهم وكتبهم ، نقلا عن الذين يتتبعون ما سقط من الأقوال ، وهم الأعاجم الذين يؤلفون فيما لا يحسنون باسم الاستشراق . ورد الطبري مفحم لمن كان له عن الجهل والخطأ رده تنهاه عن المكابرة . ( 2 ) لم أجد قائل البيت . واستشهد به ابن سيده في المخصص 17 : 152 ، وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي ، وادعى أن البيت مصنوع ، وأن " بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم المجردة ، صنعه ولفقه ، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى ، وركاكته تنادي جهارًا بصحة وضعه وصنعته ، والصواب وهو الحق المجمع عليه ، أن الشاعر الجاهلي المشار إليه ، هو الشنفرى الأزدي ، وهذا البيت ليس في شعره " ، وأنه ملفق من قول الشنفرى : أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي ، والتَلهُّفُ ضَلَّةٌ . . . بما ضَرَبَتْ كَفُّ الفَتَاةِ هَجِينَهَا والشنقيطي رحمه الله كان كثير الاستطالة ، سريعًا إلى المباهاة بعلمه وروايته . والذي قاله من ادعاء الصنعة لا يقوم . وكفى بالبيت الذي يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته : إيجاد الشواهد المعدومة ، لدعاوى مجردة . وليس في البيت ركاكة ولا صنعة . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " الطهوي " مكان السعدي ، وهو خطأ . ليس سلامة طهويا . ( 4 ) ديوانه : 19 ، وقد جاء في طبقات فحول الشعراء : 131 في نسب الشاعر : سلامة بن جندل بن عبد الرحمن " ، وهذه رواية ابن سلام ، وغيره يقول : " ابن عبد " ، فإن صحت رواية ابن سلام ، فهي دليل آخر قوي على فساد دعوى الشنقيطي .