محمد بن جرير الطبري

10

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

امرؤ قومًا في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة ، وقيلِ الشعرِ والفصَاحة ، والسجع والكهانة ، على كل خطيب منهم وبليغ ( 1 ) وشاعر منهم وفصيح ، وكلّ ذي سجع وكهانة - فسفَّه أحلامهم ، وقصَّر بعقولهم ( 2 ) وتبرأ من دينهم ، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به ، والإقرار بأنه رسولٌ إليهم من ربهم . وأخبرهم أن دلالته على صدْق مقالته ، وحجَّتَه على حقيقة نبوّته - ما أتاهم به من البيان ، والحكمة والفرقان ، بلسان مثل ألسنتهم ، ومنطق موافقةٍ معانيه معانيَ منطقهم . ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عَجَزَة ، ومن القدرة عليه نقَصَةٌ . فأقرّ جميعُهم بالعجز ، وأذعنوا له بالتصديق ، وشهدوا على أنفسهم بالنقص . إلا من تجاهل منهم وتعامى ، واستكبر وتعاشى ، فحاول تكلُّف ما قد علم أنه عنه عاجز ، ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر . فأبدى من ضعف عقله ما كان مستترًا ، ومن عِيّ لسانه ما كان مصُونًا ، فأتى بما لا يعجِزُ عنه الضعيف الأخرق ، والجاهل الأحمق ، فقال : " والطاحنات طحنًا ، والعاجنات عجنًا ، فالخابزات خبزًا ، والثاردات ثَرْدًا ، واللاقمات لَقْمًا " ! ( 3 ) ونحو ذلك من الحماقات المشبهةِ دعواه الكاذبة . فإذْ كان تفاضُلُ مراتب البيان ، وتبايُنُ منازل درجات الكلام ، بما وصفنا قبل - وكان الله تعالى ذكرُه وتقدست أسماؤه ، أحكمَ الحكماء ، وأحلمَ الحلماء ،

--> ( 1 ) في المطبوعة : " كل خطيب . . " بحذف " على " ، وفي المخطوطة " على خطيب . . " بحذف " كل " . وكلتاهما لا يستقيم بها كلام . والصواب ما أثبتناه . وأراد الطبري أنهم رؤساء صناعة الخطب والبلاغة . . . على كل خطيب منهم وبليغ " . يعني أن الذين تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن من العرب ، كانوا رؤساء البيان والبلاغة على كل مبين وبليغ من سائر العرب . ( 2 ) سفه أحلامهم : نسبهم إلى السفه ، وهو خفة الحلم واضطراب الرأي وضعفه ، وهو باب من الجهل . وفي المطبوعة : " وقصر معقولهم " والمعقول مصدر كالعقل ، يقال : ما لفلان معقول ، أي ما له عقل . وكأنه أراد بقوله " قصر " : نسبهم إلى قصر العقل وقلته . وأما قوله " قصر بعقولهم " ، فكأنه ضمن " قصر " معنى استخف بها ، فعداه بالباء ، أي عاب عقولهم واستقصرها واستخف بها . وأنا في شك من صواب هذا الحرف . ( 3 ) من هذيان مسيلمة الكذاب لعنه الله . انظر تاريخ الطبري 3 : 245 وسواه .