محمد بن جرير الطبري
11
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
- كان معلومًا أن أبينَ البيان بيانُه ، وأفضلَ الكلام كلامه ، وأن قدرَ فضْل بيانه ، جلّ ذكره ، على بيان جميع خلقه ، كفضله على جميع عباده . فإذْ كان كذلك - وكان غيرَ مبين منّا عن نفسه مَنْ خاطبَ غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب - كان معلومًا أنه غير جائز أن يخاطبَ جل ذكره أحدٌا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطَبُ ، ولا يرسلَ إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسانٍ وبيانٍ يفهمه المرسَلُ إليه . لأن المخاطب والمرسَلَ إليه ، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه ، فحالهُ - قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعدَه - سواءٌ ، إذ لم يفدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبل ذلك جاهلا . والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطابًا أو يرسل رسالةً لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه ، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث ، والله تعالى عن ذلك مُتَعالٍ . ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [ سورة إبراهيم : 4 ] . وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ سورة النحل : 64 ] . فغير جائز أن يكونَ به مهتديًا ، منْ كانَ بما يُهْدَى إليه جاهلا . فقد تبين إذًا - بما عليه دللنا من الدِّلالة - أن كلّ رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم ، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه ، وكلّ كتاب أنزله على نبي ، ورسالة أرسلها إلى أمة ، فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه . فاتضح بما قلنا ووصفنا ، أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بلسان محمد صلى الله عليه وسلم . وإذْ كان لسان محمد صلى الله عليه وسلم عربيًّا ، فبيِّنٌ أن القرآن عربيٌّ . وبذلك أيضًا نطق محكم تنزيل ربنا ، فقال جل ذكره : { إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ سورة يوسف : 2 ] . وقال : { وَإِنَّهُ