محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
385
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
الموت نشيطاً كما فعل هؤلاءِ ؟ وهل علم أنَّ أحداً في غيرِ تلك الأعصار أتى إلى أهلِ الوِلايةِ ليقتلُوه ؟ وهذه الأشياءُ مما تُنبِّه الغافل ، وتُقوي بصيرةَ العاقل ، وإلا ففي قولِه تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [ آل عمران : 110 ] كِفايةٌ مع ما عضَدَها من شهادةِ المصطفى - عليه السلام - بأنهم خيرُ القرونِ ( 1 ) ، وبأن غيرَهم لو أنْفَقَ مِثْلَ أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه ( 2 ) . وقد ذكر ابنُ عبد البر في ديباجة كتاب " الاستيعاب " جملةً شافيةً مما يدُلُّ على فضل أهلِ ذلك الزمان ، وأن ظاهِرَهم العدالةُ كُلّهم إلا مَنْ عُلِمَ جَرْحُهُ بطريق صحيحٍ ؛ والجرْحُ جرحانِ : جرحٌ في الدِّيانة ، وجرح في الرواية ، فأما الجرحُ في الدِّيانة ، فيثبتُ بفعل الحرام المقطوعِ بتحريمه سواءً كان فاعلُه متأولاً ، أو غيرَ ذلك ، مثل حربِ أميرِ المؤمنين - عليه السلام - وغيره مِن الفتن ، وقد قبلت الزيديّةُ مَنْ حارب عليّاً وكفَّره من الخوارِج ، صانه الله مِن ذكرِ ( 3 ) ذلك - كما سيأتي بيانُه - فكيف يُنْكَرُ على المحدِّثينَ قبُولُ مَنْ حاربه ولم يكفِّره ، وعُذْرُ الزيديَّة في قبول الخوارجِ من كونهم متأوِّلين هو بعينه عذرُ أهلِ السنة ، ومدركُ العمدِ والخطأ خفيٌّ ، بل محجوبٌ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ ، ولذلك جاء في الحديث : " إنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أفَتِّشَ عنْ قُلُوبِ النَّاس " ( 4 ) فلذلك رَجَعَ أهلُ السُّنَّة فيه إلى ما ظهر من
--> ( 1 ) تقدم تخريجه ص 182 . ( 2 ) تقدم تخريجه ص 180 . ( 3 ) كلمة ذكر لم ترد في ( ج ) . ( 4 ) أخرجه أحمد 3 / 4 ، والبخاري ( 4351 ) ومسلم ( 1064 ) ( 144 ) من حديث أبي سعيد الخدري ، ولفظ البخاري " إني لم أومر إن أَنْقُبَ قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم " ولفظ أحمد ومسلم " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم " .