محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
297
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
حرب ، وجعفر بن مبشِّر ومن تابعهما مِن أصحابنا البغداديين إلى أن العاميَّ لا يجوزُ له تقليدُ العالم ، وإنما يلزمه الرجوعُ إليه ، لِيعرفَه طريقة النظرِ فيها ، وينُبهه على أصولها ، فيعمل بما يُوجِبُه نظرُه فيها . وفي مذهب البغدادية هذا غايةُ التسهيل في الاجتهاد ، إذ جعلوه ممكناً لِكُلِّ مكلَّفٍ من النساء والإماء والزُّرَّاع ، وسائرِ أهل الغَبَاوةِ والبَلادة ، ولم يزلِ العُلماءُ يذكرون مذهبَ البغدادية ، ولا يذكرون في الرد عليهم تعذر الاجتهاد ولا استحالته . وقد فسَّر البغدادية كيفية اجتهاد العامي ، وقالوا : إنه إذا سأل العالم عنِ الدليل ، وأخبره به ، جازَ له أن يعملَ به من غير طلبٍ لما يُعارضه ، أو ينسخه ، أو يَخُصُّه من غير ذلك العالم . ولهذا أُوجبوا على المفتي أن يبين للعاميِّ الدليلَ ، لِيكون العاميُّ مجتهداً خارجاً بذلك عن التقليد ، فهذا غاية الترخيص ، ولم نعلم أن أحداً من العلماء أثَّمهم في ذلك ، بل ولا ردَّ عليهم بأن ذلك لا يفيد العامي الاجتهاد ، وإنما رد العلماء عليهم القول بوجوب الاجتهاد لا القول بتسهيله ، وهذا ما وعدناه مِن الزيادة في ذكر سُهُولَةِ الاجتهاد في التنبيه الخامس عشر والمتقدِّم ، وإنَّا لو قدَّرنا أنا رخَُّصنا في الاجتهاد ، فإنا لم نَشِذَّ بذلك ، على أنا بحمد الله لم نذهبْ إلى هذا ، وإنما منعنا القولَ بتعذره باستحالته ( 1 ) ، بل من التَّشديدِ في صعوبته وتعسُّره ، لأنه من جملة التكاليفِ الشرعية . وقد أخبرنا - سبحانه وتعالى - أنه ما جعل علينا في الدين مِن حرج ،
--> ( 1 ) في ب : واستحالته .