محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
292
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وبهذا يظهر أن الاجتهاد أمرٌ خفي ، غيرُ ضروري ولا قطعيٌّ ، وأنَّ كُلٍّ مجتهدٍ في تفسيره واعتبارِ شروطه مصيب لِعدم النص الجليِّ المتواتر في تفسيره ولله الحمد . وقد ذكر العلماءُ قديماً وحديثاً حُكْمَ القاضي والمجتهد إِذا خالفا النَّص ، ثم وجداه ، وهذه مسألة مشهورة . وقد رَجَع كثيرُ من العلماء عن أقوالهم ، ورجع عليٌّ - عليه السلام - عن قولِه في أمِّ الولد ، وكان يقول : إنَّ بيعها حرام ، ورَجَعَ إلى القول بجواز بيعها ، وقال لَهُ عَبيدَة السَّلماني : رأيُك مع الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدَك ( 1 ) . وقد يكونُ رجوعُ العالِم للوقوفِ على النص ، ولغير ذلك من انكشاف ضعف دليله المتقدم . وقد رجع عُمَرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - عن رأيه في دِيَةِ الأصابِعِ ، وعن المنعِ من توريث المرأةِ مِن دِيَةِ زوجها ( 2 ) . واحتجَّ بذلِكَ الإمامُ المنصورُ بالله - عليه السلام - في " الصفوة " فقال - ما لفظه - : وما كان يذهبُ إليه من التفضيل في دية الأصابع فإنه كان يجعل في الإِبهام خَمْسَ عشرةَ ، وفي البِنصِر تسعاً ، وفي الخِنْصَر ستاً ، وفي الباقيتين في كُلِّ
--> ( 1 ) في " المصنف " ( 13224 ) عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، قال : سمعت علياً يقول : اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن ، قال : ثم رأيت أن يبعن . قال عَبيدة ، فقلت له : فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إلي من رأيك وحدك في الفرقة ، أو قال : في الفتنة - قال : فضحك علي . وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وأخرجه البيهقي 10 / 348 من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين به . ( 2 ) سيأتي تخريجه قريباً .