محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
262
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وكذلك كانت اليهُودُ يتعاطَسُونَ عند رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، لعلَّه يقول : يَرْحَمُكمُ اللهُ . فيقول : " يَهْدِيكُمُ الله ويُصْلحُ بَالَكُم " ( 1 ) . وهذا منه - عليه السلام - حِرْصٌ على رِعايةِ ما آتاهُ اللهُ من الخُلُقِ العظيمِ ، لَما حُرِّمَ عليه لفظُ التَّشميت المعتاد ، وكان الدعاء للعاطس معتاداً ، لم يستحسِنْ ترك الدُّعاء لهم في الموضعِ الذي يُعْتَادُ فيه الدُّعاء . فاحتال - عليه السلام - فَعَدَل إلى دعاء آخر يَجْبُرُ بذلك قلوبَ أشدَّ النَّاس عداوةً له وللمؤمنين ، ويُخالِقُ مَنْ يَكتُمُ ما عنده في التوراة من ذكره ، ومن يَسْخَرُ منه ويستهزيءُ به . هذا - والله - هو الخُلُقُ العظيم ، فنسألُ الله أن يهدينا لاتباعه ، والتأسي به في أحواله . فجديرٌ بمَنِ انتصب في مَنْصِب الفُتيا ، أو تَرَقَّى إلى مرتبة التدريس ، وتَمكَّن في دَسْت التَّعليم ، وتهيأ للرد على الجاهلين ، والدُّعاء إلى سبيل ربِّ العالمين : أن يكون مقتفياً لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، عامِلاً بما قال الله - تعالى - من الدُّعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة . وكان يُمْكِنُ للسَّيِّد - أيَّدهُ الله - أن يجعل عوَضَ التنفير عن الاجتهاد غاية التنفير ، والتعسير لمناهجه والتَّوعير : أن يحُثَّ على الصبر على طلب فوائدِه ، وتَقْييدِ شواردِهِ . التنبيه الثامن : أن " السَّيِّد " - أيَّده الله - يعلمُ أن الاجتهاد مِن فروض الكفايات ، وأن الفَرض لا بُدَّ أن يكون من المقدورات ، وأن الصدَّ عن
--> ( 1 ) أخرجه من حديث أبي موسى الأشعري البخاريُّ في " الأدب المفرد " ( 940 ) وأبو داود ( 5038 ) والترمذي ( 2739 ) والطحاوي في شرح معاني الآثار 4 / 302 ، وابن السني في " عمل اليوم واللية " ( 456 ) وإسناده صحيح ، وصححه الترمذي ، والحاكم 4 / 268 ، ووافقه الذهبي .