محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

239

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ولم تجعل بيني وبينكَ حكماً . فضربت خَيمةَ الدَّعوى على غير عمودٍ ولا طُنُبٍ ، ورفعتَ سقفَ الحكومة على غيرِ أساسٍ ولا خُشُب . التنبيه الثاني : المراجعةُ في أنَّ الاجتهادَ مُتَعَسَرٌ أو مُتيَسِّر من غرائب الأساليب المُتَعَسِّفَة ، لأن مقاديرَ التَّسَهُّلِ والتَّعَسُّر غيرُ مُنْضَبِطَةٍ بحَدٍّ ، ولا واقفةٌ على مِقْدار ، ولا جاريةٌ على قِياس ، ولا يصحُّ في معرفة مقاديرها برهانُ العقل ولا نصُّ الشرع ، ولا يعرف مقاديرُها بكيلٍ ولا وزن ، ولا مساحةٍ ولا خَرْصٍ ، فإن من قال : إن حفظ القرآنِ علَيَّ متعسِّرٌ أو متيسِّرٌ ، أو حفظَ الفقه ، أو طلبَ الحديث ، أو الحجَّ ، أو الجهاد ، أو غيرَ ذلك ، كلُّ من ادعى سهولةَ شيءٍ منها - عليه - أو مشقته ، لم يعقد له مجلسُ المناظرة ، ويُطالب بالبراهين المنطقية ، لأن الذي ادَّعاه أمرٌ ممكن ، وهو يختلِفُ باختلاف الأشخاص والأحوال ، فقد يكون متسهِّلاً على بعض الناس ، متعسِّراً على غيره . فطلبُ العلم متسهلٌ على ذَكيِّ القلبِ ، صادقِ الرَّغبةِ ، خَليِّ البالِ عن الشواغلِ ، الواجدِ للكتب المفيدة ، والشيوخ المُبَرِّزِين ، والكفايةِ فيما يحتاج إليه ، ونحو ذلك من كثرة الدواعي ، وَقِلَّةِ الصوارف . وطلبُ العلمِ متعسِّرٌ على مَنْ فقد هذهِ الأشياءَ كلَّها ، وابتُلِيَ بأضدادها ، وبينهما في التَّيسُّرِ والتَّعسُّر درجاتٌ غيرُ منحصِرَةٍ ، ومراتبُ غيرُ منضبطةٍ ، وبينَ النَّاس من التفاوت ما لا يُمْكنُ ضَبْطُهُ ولا يَتَهَيَّأ ، وأين الثَّرى من الثُّريَّا ! . وجامدُ الطبع ، بليد الذِّهْنِ ؛ إذا سَمِعَ من يدَّعي سهولَة ارتجال القصائد والخُطَب ، وتحبير الرسائلِ والكتُب ، توهم أنه بمنزلةِ من يدعي