محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
52
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
التهديد والتخويف للوقوع فيما يستحقُّ العاصي ، والخبر عما يستحقه وما أعد له إن لم يعف عنه ، وقد أجمعوا على إضمار التوبة في آيات الوعيد ولو انفصلت أدلتها ، وكذلك التكفير بالحسنات ، وزاد أهل السنة إضمار المشيئة والعفو فيما دون الشرك للنصوص الواردة فيه قرآناً وسنة ، وعلى هذا يخرج الجواب على من احتجَّ على تكليف ما لا يُطاق بقوله تعالى في أبي لَهَبٍ : { سَيَصْلَى ناراً ذَاتَ لَهَبٍ } [ المسد : 3 ] ، فإنهم قالوا : قد كلف بالإيمان والطاعة التي ينجو معها من النار ، ومن جُملة الإيمان أن يؤمن بأنه سيصلى ناراً ذات لهب ، ومع إيمانه بهذا كيف يجوز ألا يقع حتى يسعى في عدم وقوعه ، وفَتَحَ الله عليَّ في الجواب عن ذلك ، أن الآية يجوز أنها خرجت مخرج الوعيد ، لا مخرج الخبر المحض عن عاقبته ، وكذلك يتخرج الجواب عن نجاة قوم يونس من العذاب بعد وعدِ يونس لهم به ليومٍ معين ، ثم عفا الله عنهم بعد مُشاهدة العذاب بالنص والوفاق من غير توبةٍ صحيحة ، لأنهم قد كانوا مُلحين بمشاهدة العذاب على الصحيح ، وممَّنْ اختاره القرطبي في " تذكرته " ( 1 ) ، واحتج بقوله تعالى في يونس : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين } [ يونس : 98 ] ، وبقوله فيهم : { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين } [ الصافات : 147 - 148 ] ، والفرق بينهما واضحٌ ، فإنه يحسن الوعيد في المستقبل ممن لا يعلم الغيب ، ولا يحسن الخبر المحض بذلك لجواز أن يموت أحدهما أو يعجز صاحب الوعيد ، أو يرجع عن وعيده أو غير ذلك ( 2 ) ، وإذا ثبت أنه يجوز أن الآية المتعلقة بأبي لهب خرجت مخرج الوعيد العام للعاصين ، فإنه بالإجماع موقوفٌ على شروطٍ تجمعها مشيئة الله تعالى ، منها ما هو مجمعٌ عليه كالإسلام أو التوبة أو تكفير الصغائر ، ومنها مختلفٌ فيه كالعفو وتكفير بعض الكبائر بما سيأتي بيانه ولا دليلَ قاطعٌ مع الوعيدية في هذه الآية خصوصاً يمنع من هذا الاحتمال
--> ( 1 ) وانظر " الجامع لأحكام القرآن " 8 / 384 . ( 2 ) في ( ف ) : " نحو " .