محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
53
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
لاحتمال لفظها ولو تجويزاً مرجوحاً ، فإن التجويز البعيد المرجوح يمنع من القطع . الدليل الثاني : سلَّمنا أنه خبر محض عن العاقبة لا يحتمل الشرطية قطعاً ، لكنه عام محض بالنظر إلى القاتل الكافر والقاتل المسلم ، والعموم يجوز أن يُراد به بعض ما يدل عليه لدليل ولو منفصلاً ، وإن كان خبراً محضاً ، كما جاء في قوله تعالى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم } [ آل عمران : 173 ] ، فإن الذي قال : { مِنَ النَّاسِ } نعيم بن مسعود الأشجعي والذي جمع من الناس هو أبو سفيان بن حرب ( 1 ) ، وقد سمع الآية من لم يعرف هذا . وقد قال الله تعالى في سورة [ الذاريات : 41 - 42 ] : { وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيم } ، وقال في : [ الحاقة : 8 ] فيهم : { فهل ترى لهم من باقيةٍ } ، وهذا عموم خبري لا يتخصص بالعقل ، والذي يسمعه يعتقد ظاهره حتى يسمع قوله تعالى : { فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين } [ الأحقاف : 25 ] بعد أن قال فيها : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } فدلَّ قوله : { إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ } على أن الريح ما دمَّرَتْهُمْ ، وأنها مخرجةٌ من تلك العمومات الخبرية المحضة . وقال تعالى في [ سوره القمر : 33 - 34 ] . { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ( 33 ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ } ، ولم يستثن في هذه الآية ولا في
--> ( 1 ) نسب هذا القول ابن الجوزي في " زاد المسير " 1 / 504 إلى مجاهد وعكرمة ومقاتل في آخرين . وثمة قول آخر ذكره ابن إسحاق كما في " السيرة " 3 / 128 ، ونقله عنه الطبري في " تفسيره " ( 8244 ) : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل } ، و " الناس " الذين قالوا لهم ما قالوا : النفر من عبد القيس الذين قال لهم أبو سفيان ما قال : إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم ، يقول الله عز وجل : { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } .