محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

430

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

لادعيناه في مقام آخر ، وذلك أنا نقول : أما تقدير أن القرآن من كلام الملائكة ، فغفلةٌ فاحشةٌ ، لأن الملائكة اسمٌ موضوعٌ في التقدير لمن لا يصدُرُ عنه الكذب ، وأما تقديرُ أنه من الجن ، فهو بمعنى ( 1 ) تقدير أنه من كلام الشياطين ، لأنهم هم مردة الجن وفسقتهم ، ونحن نعلم بالضرورة العادية أن فسقة الشياطين ومردتهم لا يعتنون في ظهور مثل القرآن الكريم لما فيه من نقضِ مقاصدهم في الفساد ، فإنَّ العمل بمقتضاة بإجماع العُقلاء من المسلمين وغيرهم من أعظم أسباب الصلاح ، وحسم مواد الفساد ، فإنَّه اشتمل ( 2 ) على النَّهي عن الظُّلم ، والعُدوان ، والبغي ، واللهو واللعب ، والغفلة ، وسائر أسباب الشر ، والأمر بالبر ، والإحسان ، والعفو والرحمة ، والرفق ، والتعاون على الخير ، وفعل جميع أسباب الخير ، مع ما فيه من سبِّ الشياطين ، ولعنهم ، وتبكيتهم ( 3 ) ، فكيف يجوز أنه منهم ، وقد ثبت بالبراهين الصحيحة العقلية أنه لا يقع الفعل من القادر بمجرد قدرته عليه ؟ ولذلك أجمعت المعتزلة على امتناع صدور القبائح من الله مع قدرته عليها ، وإذا تقرَّر ذلك ، فمنتهى الأمر أنا نُجوِّزُ قدرة الشياطين على ذلك - وحاشا وكلاّ - فليس لهم داعٍ إليه البتَّة ، بل الصَّوارِفُ لهم عنه معلومةٌ بالضرورة من دون مُعارض ، وقد نطقت النصوص القرآنيةُ بالردِّ على من زعم ذلك ، وأشارت إلى الوجه الأول ، أو إلى الوجهين ( 4 ) معاً ، قال الله تعالى : { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ( 210 ) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } [ الشعراء : 210 - 212 ] ،

--> ( 1 ) في ( ب ) : لمعنى . ( 2 ) في ( ش ) : أشمل . ( 3 ) في ( ش ) : وتكذيبهم . ( 4 ) في ( ش ) : والوجهين .