محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
353
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
أن لا يكونَ كلامُ الصِّدِّيق تفسيراً ، ولذلك قال : " برأيي " حتى يكون بريئاً مِنَ الخبر عَنِ الله تعالى في مُراده ، وإنَّما قَصَدوا العملَ لأجل الضرورة فيه ، لا الخبر عن الله تعالى ، لأن الخبر عنه بالرّأي بمنزلة النُّبُوَّةِ بالرّأي ، والوحيِ بالرأي ، فالعمل يتفرَّع على الظن ، ويترتَّبُ عليه ؛ لأنَّ في مخالفة الظَّنَ بالعمل مَضَرَّةً مظنونةً ، وركوبُ مثل ذلك قبيحٌ بفطرةِ العقول ( 1 ) ، وشواهدِ المنقول ، وفي الصَّحيح أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : " أَرأيْتُمْ لَوْ أَنْذَرْتُكُمُ الجَيْشَ " ( 2 ) الحديثَ ، فهم ( 3 ) عاملون بالظَّنِّ ، غيرُ مخبرين عَنْ مُرادِ اللهِ ، وذلك لا يتناقض ، بل قد صحَّ إنّ ما سمَّاه أبو بكر رأياً هو معنى الكَلالةِ في اللُّغَةِ ، وليس ذلك بِرأْيٍ على الحقيقة ، لكِنَّهُ - لِشدَّةِ ورعه واحتياطه - سمَّاه رأياً ، حيث تَمَسَّكَ بالظاهر مِنْ غير نصٍّ ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال الشيخ : الثانية : أنَّه إنْ ذَكَرَه ، لم يطلق القول بأنَّ المراد منه كذا وكذا ، لأنَّه حكم بما لا يَعلم ، وقد قال الله تعالى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم } [ الإسراء : 36 ] . ولا يجوز التَّحدُّثُ به مع الخلق ؛ لأنَّهُ قادرٌ على تركه ، وهو في ذكره
--> ( 1 ) في ( ش ) : العقل . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4770 ) ، ومسلم ( 208 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت { وأنذِرْ عشيرتَكَ الأقربين } ، صَعِدَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصفا ، فجعل يُنادي : " يا بني فِهر ، يا بني عدي " - لبطون قريش - حتى اجتمعوا ، فجعل الرجلُ إذا لم يستطع أن يخْرُج ، أرسلَ رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريشٌ ، فقال : " أرأيتكم لو أخبرتُكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تُغيرَ عليكم ، أكنتم مُصَدِّقيِّ ؟ قالوا : نعم ، ما جرَّبْنا عليك إلا صِدْقاً ، قال : " فإني نذيزٌ لكم بين يدي عذاب شديد " ، فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } . ( 3 ) في ( ش ) : وهم .