محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
160
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
النَّقل يختلفون في التصحيح ، فهو مثلُ مذاهب العلماء في الفُروع الاجتهاديَّة والمضطربات الظنية ، ألا ترى أنَّ حُكْمَهمْ بأنّ الرجُل حافظٌ ، أو سيىءُ الحفظ ، أو صدوقٌ ، لا يصحُّ أن يُبنى إلاَّ على الظَّنِّ والاجتهاد ؟ ولذلِكَ كان قبُولُ المرسل مِمَّنِ أرسله ضعيفاً عندهم ، لأنَّه على الحقيقة تقليدٌ له في تصحيح ما ظن صحته ، وتقليدُ العلماء بعضهم لبعض مما ( 1 ) يبنى عليه الاجتهادُ لا يجوز كما أوضحته في علوم الحديث ( 2 ) . وقد مرَّ الجوابُ على السيد حين زعم أنَّ جميعَ ما في الصَّحيح مُجْمَعٌ على صحته عندَ المحدِّثين ، وكيفَ يصحُ ذلك والبخاري يخالِفُ مسلماً في تصحيح ما اكتفي فيه بالمُعَاصرَةِ ( 3 ) ، وفي كثيرٍ من رجاله ، ومسلم كذلك يُخَالِفُ البخاريَّ في بعض رجاله ؟ وقد ذكر ابن حجر في مقدمة " شرح البخاري " ما اعترض على البخاري ، وخُولفَ في تصحيحه مِمَّا في صحيحه ، فذكر أكثَرَ مِنْ مئة حديثٍ ، وذكر أيضاً مَنْ خُولِفَ البخاريُّ في توثيقه من رجاله ، فذكر خلقاً كثيراً ، وذكر ما يسوغُ مخالفتُه فيه من قواعده ، كمخالفته في تصحيح حديث عِكرِمَة ، فقد خالفه في ذلك مالِكٌ ، ومسلمٌ صاحبُه ، وجِلَّة مِنْ أئمَّة التَّابعين لا يأتي عليهمُ العَدُّ . وكذلِكَ قبولُ العَنْعنَةِ عَنْ بعضِ المدلِّسين في بعض المواضع ، وهذا معلومٌ من مذاهب المحدِّثين بالضرورة لمَنْ بحث ، ولذلك ترى الحاكم ابنَ البَيِّع أحدٌ أئِمَّة الشيعة ، وأئمة الحديث يُنَاقِشُ الشيخين في كتابه " المستدرك " ، ويذكر علَّتهما في ترك
--> ( 1 ) في ( ش ) : فيما . ( 2 ) انظر " التنقيح " مع " التوضيح " 1 / 304 و 309 . ( 3 ) والخلاف بين البخاري ومسلم في هذا إنما هو في الحديث المروي بالعنعنة ، أما ما كان بنحو حدثنا ، فهو ومسلم سواء فيه .