محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
150
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
القول ، بل حكم أهلُ الحديث بالتَّتبُّع التّام ، والبحثِ الطويل ، والنَّظرِ في الشَّواهد والتوابع والقرائن ، وجمعِ الطرق أنَّ أهلَ العصرِ النَّبويِّ وتابعيهم وتابعي تابعيهم لم يكن فيهم من تَعَمَّد وَضْعَ الحديثِ زوراً إلى أيَّام بني العَبَّاس ، وظهر ذلِكَ وظهر أهلُه ، وقد نصَّ المنصورُ بالله عليه السَّلامُ على مثل كلامهم في أنَّه لا يُسألُ عن عدالة الثَّلاثَة القُرونِ الأُوَل ، وأنَّ ذلك معلومٌ عندَ العلماء ، بل صحَّت الأحاديثُ الكثيرةُ في ذلك بلفظ : " خَيْرُكُم القَرْنُ الَّذينَ بُعِثْتُ فيهِمْ ، ثُم الذين يَلُونَهُمْ ، ثمَّ الذين يَلُونهُمْ ، ثُمَّ يَفْشُو الكذِبُ مِنْ بَعْدُ " ( 1 ) ، واعتضَدَ هذا بِخِبْرة أهلِ الحديث لذلك وتتبُّعِهم ( 2 ) لِمَا صحت روايتهُ عَنْ أهلِ ذلك العصرِ محقِّهم ومبطِلِهم ، والنظر فيما رَووْهُ وفي شواهده ، وكُلُّ أهلِ فنٍّ أعرفُ بفنِّهم كما ذكرته فيما تقدَّم منْ هذا الكتاب . ولهذه الأمورُ ترى كثيراً مِنْ أئمَّة العِترة وشيعتهم والسَّلَفِ يروون أحاديث هؤلاء كما يرويها أهلُ الحديث ، منهم أبو عبد الرحمان النسائي في " سُننه " مع بغضه لمعاوية ( 3 ) ، وكلامه عليه ، حتَّى قُتِلَ في دمشق بسبب كلامهِ عليه ، ومع ذلِكَ روى عنه في " سننه " غيْرَ حديثٍ ، وكذا
--> ( 1 ) تقدم تخريجه في 1 / 182 - 183 و 376 - 377 . ( 2 ) في ( ب ) : وتبعتهم . ( 3 ) ليس ثمت نص عن النسائي يدل على بغضه لمعاوية ، والذي أثر عنه أنَّه لما فارق مصر وخرج إلى دمشق ، سئل بها عن معاوية بن أبي سفيان ، وما روي من فضائله ، فقال : ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يفضّلَ . . . قال مؤرخ الشام الحافظ أبو القاسم بن عساكر : وهذه الحكاية لا تدُلُّ على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن في معاوية بن أبي سفيان ، وإنما تدل على الكف بذكره بكل حال . ثم روى ابن عساكر بإسناده عن أبي الحسن علي بن محمد القابسي ، قال : سمعت أبا علي الحسن بن أبي هلال يقول : سئل أبو عبد الرحمن النسائي عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : الإسلام كدار لها باب ، فباب الإسلام الصحابة ، فمن آذى =