محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
107
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
فبهذا لا يقطعُ على راوي الحديثِ أنَّه يعتقدُ عَدَالَةَ بعضِ الضُّعفاء إذا صحَّحَ حديثَ بعضِهم ، ولكن لا نقول أيضاً بِصحَّة الحديثِ قطعاً إذا علمنا بجِرْحِ الرَّاوي له ، وَلَمْ نعلمْ ما يَجْبُرُهُ مِنَ المتابعاتِ ، بل نقول : إنَّ هذه المسألة مَحَلُّ نَظَرٍ ، والذي يقوى عندي وجوبُ العَمَلِ بذلِكَ ، لأنَّ القَدْحَ بذلِكَ مُحْتَمَلٌ ، والثِّقَةُ العَارِفُ إذا قال : إنَّ الحديثَ صحيحٌ عنده ، وجَزَمَ بذلِكَ ، وَجَبَ قَبولُهُ بالَأدِلَّةِ العقليَّة والسَّمْعِيَّة الدالَّةِ على قَبُولِ خَبَر الوَاحِدِ ، ولم يَكُنْ ذلِك تقليداً له ، إلاَّ أَنْ يَظُنَّ أو يجوز أنَّه بنى دعواه لذلكَ على اجتهادٍ ، ولو كان مُجَرَّدُ الاحتمال المرجوح يَقْدَحُ ، لطرحنا جميعَ أحاديثِ الثِّقات لاحتمالِ الوَهْمِ والخطأ في الرواية بالمعنى ، بلِ احْتِمال تَعَمُّدِ الكَذِبِ . نعم ، الظَّاهِرُ أنَّ البخاري ومسلماً بَنَيَا على شروط الحديث المعتبَرَة عند جُمهورِ أَهْلِ هذا الشَّأنِ إلاَّ في المواضِعِ التي استثناها الحُفَّاظُ ، وهي ما انْتُقِدَ عليهما . قلت : ومجموعُه يكونُ في موضعين . الأول : ما ثَبَتَ عن بعض الحُفَّاط أنه خالفهما ، أو أحدَهُما في صِحَّتِه . والثاني : ما كان متعارضَاً ، لا بُدَّ مِنْ ضَعْفِ إحدى الرِّوايتين ، ويدخل في الَأوَّلِ ما اختلفا فيه ، وما جاءَ بِغَيْرِ صريحِ السَّماعِ منْ رِوَايَةِ المدلِّسين ، وإنَّما أخرجا هذا الجنس بحسب اجتهادهما وتحرِّيهما ، لأنَّ تَرْكَهُ كُلَّهُ مفسدهٌ بينَةٌ ، إذ كان الغالبُ علَى الظنِّ صِحة أكثرِهِ ، ورُبمَا اطلعنا على شواهِدَ وتوابعَ تُوجبُ تخريج ما أخرجا منه ، لكِنَّ ذلِكَ على طريقَةِ الاجتهاد منهما ، ولا يَجِبُ ، بَلْ لا يجوزُ للمجتهدِ أنْ يُقَلِّدَ أحداً فيما