محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

32

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

كانوا من أهل العربية ، وصنفوا على قانون لسانِ العريب ، وقد علمنا أن من قرأ في الفقه ، عَلِمَ مُرادَ الأئمة في التحليل والتحريم ، والصلاة والبيوع وسائر علم الفروع ، وإن لم يكن يَعْرِفُ العربيةَ إلاَّ النادر القليل بما يتعلق بالدقيق مِن علم العربية مثل بعضِ مسائل الطلاق ، وذكر المصادر ، وتعليقِ الشرط على الشرط ونحو ذلك ، وهذه النوادرُ مَنْ بَحَثَ عنها ، وتعلمها من علماء العربية ، وفهَّموه إيَّاها فَهِمَها ، وإن لم يعلم بقيَّةَ عِلْمِ العربية ، إن كان من أهل الذكاء ، وإن لم يكن من أهل الذكاء ، فلن ينفعه ، وإن قرأ العربية بأسرها . وكذلك الكلامُ فيما يتعلق بالتحليل والتحريم من الكتاب والسنة أكثرُه جليٌّ إلاَّ النادِرَ ، ولأجل ذلك النادر اشْتُرِطَ تَعَلُّمُ العربيةِ على المجتهد في العلم على الإطلاق دونَ المجتهد في بعض المسائل ، ويؤيد ما ذكرتُه لك أن العامَيَّ إذا استفتى العالمَ ، وأفتاه العالمُ بكلام مُعْرَبٍ غيرِ ملحونٍ ، جاز لِلعَامِّي أن يعمل بما فهِمَ مِن كلام العالم ، وإن لم يعلم العربيةَ ، وكذا في مسألتنا . الحجة الثانية : على أنَّه لا يقتضي الافتراقُ في العربية تعسيرَ الاجتهاد على الإطلاق أنا نظرنا إلى الأحاديثِ التي عَمِلَتْ بها الصحابةُ في الأحكام ، فعلمنا معنى أكثرهَا مِن غير عربية ، ونظرنا إلى ما فَهِمْنَا منها : هل يُخالِفُ ما فهموه ؟ فلم نجده يُخالِفُه ، ألا ترى أنا نفهم من قول المغيرةِ ، ومحمدِ بنِ مسلمة أن الرسول عليه السلام فرض للجَدَّةِ السدس ( 1 ) مثل ما فَهِمَ أبو بكر من هذا حينَ أخبراه به ، وأمثال هذا ما لا يُحصى كثرة . فإذا عرفتَ هذا فنقول : المجتهد إما أن يكونَ مجتهداً على الإطلاق ، فهذا يجبُ أن يعرِفَ العربيةَ ، وإما أن يكون مجتهداً في مسألة معيَّنة ، فتلك

--> ( 1 ) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة 294 .