محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

299

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

الأمَة لها بالقبول . فإِن قلتَ : فقد جاز على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَحْكُمَ في ما بين الناس ، وإن كان خطأ في الباطن ، ألا ترى إلى قولِه عليه السلامُ : " لعَلَّ بَعْضَكُم أنْ يَكونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بعْضٍ ، فَإذا حَكَمْت لأِحَدِكم بِمَالِ أخِيه فَإنَّما أَقْطَع لهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ " ( 1 ) فإذا جاز ذلك على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأولى وأحرى أن يجوزَ على الأمة . قلت : الجوابُ من وجهين . الأول : معارضة وهي أن نقولَ : يلزم على هذا تجويزُ الخطأ في التحليلِ والتحريمِ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ممنوع بالإجماعِ ، سواء قلنا : إنَّه متعبّد بالاجتهاد أو لا . الثاني : تحقيقٌ ، وهو أن نقول : فرق بينَ الصورتين ، فإن الدعاوي في الحقوق لا تزالُ مستمرةً في زمانه عليه السلامُ وبعدَه ، وقد عَلِمَ الله تعالى أن الوحي غيرُ مستمر بعدَه عليه السلامُ ، ولم يكن لنا مصلحة في بناء الحكم بينَ الناسِ على العلم واليقين ، فشرع تعالى الرجوعَ فيها إلى الظواهر من الشهادات والبيناتِ ، وجعل الحكمَ فيها مستوياً في زمانه عليه السلامُ وفيما بعده من الأزمان ؛ إذ يمتنِعُ نزولُ الوحي كلما ادَّعى مدعٍ بعدَه عليه السلامُ ، ولم تعلق بذلك المصلحة في زمانه عليه السلامُ ، وكذلك سائرُ الأمور المتكررة لم يشرع فيها العملُ باليقين ، والرجوع إلى نصوص الشريعة كرؤية الهلال في شهر رمضان ، وأشهرِ الحج ، ودخول أوقات الصلوات ، فإن ذلك لما كان مستمرّاً جعل عليه أماراتٍ ظنية ، وجعل

--> ( 1 ) متفق عليه ، وقد تقدم في الصفحة 291 .