محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

280

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

جلالُه الذىِ وعد به ، ومن نازع في هذا ، فقد نازع في أجلى من النهار ، وقَرَّرَ كلامَه على شفا جُرُفٍ هَارٍ ، وفي أمثال العرب مَنِ ادَّعى البَاطِلَ أنجح به ( 1 ) . ومن أمارات العاقل إن لا يَدَّعِيَ ما لا يُمْكِنُ ، ولا يقولَ ما لا يُصَدَّقُ . ثم نقول للسيد : إما أن تَدَّعِيَ أنهم لا يُصلون ، ولا يصومون ، ولا يحجُّون ، ولا يفعلون شيئاً من الطاعات ، لم تستحقَّ المكالمة ، أو تُقِرَّ بأنَّهم يفعلون ذلك ، فَأَخْبِرْنَا : هل يفعلون ذلك لِيعذِّبهم الله في الآخرة ، أو ليثيبهم ؟ فإن قلت : لِيعذِّبهم في الآخرة ، لم تُخاطَبْ أيضاً ، لأن الفعل لا يُوجَدُ من غير داع ، فكيف يفعل لأجل الصارف عنه ، وإن قال : لِيُثيبهم ، فقد أبطل قولَه ، وأكذبَ روايتَه ، فلو كان مذهبُهم أنَّ الله يُعذِّبُ على الطاعة ما فعلوها ليِثيبهم عليها ، وما كنتُ أحسب أن السيدَ أيدَهُ الله يُحوج إلى مثل هذا الكلام . وثانيهما : أعني الوجهين الدَّالين على أن السيدَ سلك سبيلَ المغالطة في هذه الدِّلالة التي ادَّعاها قولُه : فلا فائدة في الطاعة ، وذلك أن هذا الكلامَ من جملة مقدماتِ السَّيِّد الْمُنْتِجَةِ لعدم قبولهم ، وليس هو النتيجةَ الحاصلَةَ مِن الدليل ، بل هذا الكلامُ أحدُ أركان الدليل ، ولا شكَّ أنَّه مغالطة أيضاً ، لأنَّه إمَّا أن يدعيَ أن مذهبَهم : أنَّه لا فائدةَ في الطاعة أم لا ، إن لم يَدَّعِ ذلك ، لم يدل على مقصوده من أنَّهم كذبة ، لأنَّهم متى اعتقدوا أن الطاعةَ مفيدة ، صدقوا في الحديثِ رغبةً في فائدة الطاعة ، وخوفاً من عقاب المعصية ، وإن كان يلزمهم أنَّه لا فائدةَ فيها ، فإنَّهم لا يكذبون لأجل

--> ( 1 ) في " لسان العرب " : ويقال : أنجح بك الباطلُ ، أي : غلبك الباطل ، وكل شيء غلبك ، فقد أنجح بك ، وإذا غلبته ، فقد أنجحت به .