محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
265
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
الوجه الثالث : أن نقول : ما السببُ في تخصيصِك ( 1 ) للمرجئة بالذكرِ دونَ سائرِ أهلِ البدع ؟ فإن كنتَ إنَّما ذكرتَهم لأجلِ بدعتهم ، فقد شاركهم فيها كثيرٌ من الخوارج ، وسائرُ فِرَقِ الضلال ، وإن كنتَ إنما ذكرتَهم ، لأنهم يُجَوِّزُونَ أن أهلَ المعاصي من أهل الإسلام يدخلون الجنة ، بل يقطعونَ على ذلك في من مات على الإسلام ، فلا شكَّ أن قولهم بدعة ، ولكن السَّيِّد قَصَدَ أنها بدعة صارفةٌ عن الطاعة ، وداعيةٌ إلى المعصية بحيث لا يظن في من اعتقدها أنَّه يأتي بواجبٍ ، ولا يَرتَدِعُ عن قبيح ، وقد غَلِطَ السيدُ في ذلك فإن جميعَ الفرق قد شاركت المرجئةَ في ما هو مثلُ قولهم في تقليل الداعي إلى الطاعة ، وتهوينِ الصارفِ عن المعصية ، وذلك أن الوعيدِيَّ يقطعُ أن الله تعالى يَقْبَلُ التوبة ، فيرتكب المعاصي ثقة بالتوبة ، كما أنَّ المرجىء يعتقد أنَّه يَغْفِرُها ، فلا فرق بينَهما في الداعي والصارف ، وإن كان المرجىء مبتدعاً ، وذلك لأن كُلَّ واحد منهما يعتقد أن الله يغفرُ الذنبَ ، ويجوز أنَّه مِن أهل النار والخلود فيها ، وإنما اختلفا في كيفية المغفرة وسببها ، فالوعيدي يقول : إن الله يغفِرُ بالتوبة على سبيل الوجوب عليه ، والمرجىء يقول : إن الله يغفِرُها بالإِسلامِ على سبيل التفضُّلِ منه ، وإنما قلنا : إن كُلَّ واحد منهما يجوز أنه من أهل النار ، فلأن المرجىء يجوز أن يموت على غير الإِسلام ، كما أن الوعيدِيَّ يجوز أن يموتَ على غير التوبة ، بل على غيرِ الإسلام ، بل هو أشدُّ من المرجىء في ذلك ، لأنه يعتقدُ أنَّه يَجِبُ على الله قبول التوبة ، والمرجىء لا يعتقِد وجوبَ العفو ، لأن الوعيدي قد يعتقِدُ أنَّه يجب على الله تَبْقِيَةُ العاصي بعدَ المعصية حتى يتمكَّنَ مِن التوبة وهو قولُ أبي علي ، وأبي القاسم ، لأنَّه قد كلَّفه بالتوبة ،
--> ( 1 ) في ( ب ) : تخصيصه .