محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

163

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

قلتُ : لأن القرآن قد دلَّ على اسم الفاسق والفاسقين مما يختصُّ بالكفار ، كقوله تعالى . { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون } [ التوبة : 67 ] فأفاد قصرَ الفاسقين على المنافقين كما هو معروف في علم المعاني ، فلو كان كما ذكرت ، لكان يكون الحقيقة أن المنافقين هم بعضُ الفاسقين ، وكذلك قوله تعالى : { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [ يونس : 33 ] ، وقوله تعالى : { وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار } [ السجدة : 20 ] إِلى قوله : { وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } [ السجدة : 20 ] ، والدلالات في هذه الآيات ظاهرة ، وهذا هو الأكثرُ من النصوص القرآنية ، وقد جاء في القرآن ما يَدلُّ على اختصاص أهلِ الكبائر بهذا الاسم ، ولكِن مجيئاً قليلاً ، وذلك قولُه تعالى : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ النور : 4 ] فهذا ظاهِرُه متعارض ، ولا بُدَّ من العدول عن الظاهر إما من الحقيقة العُرفية إلى اللغوية ، وإما من الحقيقة إلى المجاز ، وكلاهما لا يجوزُ إلا لضرورة ، والتجوزُ فيما ورد قليلاً نادراً أولى مِن التجوُّز في الأكثريِّ المستمِر . فإن قلت : فقد ورد اسمُ الفسق لغير الكفر كثيراً غير نادر كما قدمناه آنفاً . قلت : على تسليم التساوي في الكثرة ، فليس هذا موضع النزاع ، فإنا إنما نازعنا في الفاسق والفاسقين ونحو ذلك مما ورد بصيغة فاعل ، وذلك لأنَّه إذا ثبت في اسم الفاعل عُرْفٌ لم يلزم في المصدر كالدَّابة والدَّبيب ، فإن الدابة في العرف للبهيمة المعروفة ، والدَّبيب لا يختص بها ، سلمنا أنَّه لا يكونُ التجوز في النادر أولى ، فنحن نقول : أحدهما مجاز ، والآخرُ حقيقة ، فدل بدليل قاطع على أن المجاز هو إطلاق الفسق