محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
160
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة } [ الحجرات : 6 ] وهذا في معنى العموم ، كأنه قال : إن جاءكم فاسق ، أيَّ فاسِقٍ كان ، كقولك : إن جاءك رجل فأكرمه ، فإنه يقتضي إكرام أيِّ رجل جاء ، وإن لم يتناول مجموع الرجال ، ولأنه عَلَّق الحكمَ على صفة تقتضي التعليلَ ، وكأنَّه قال : إن جاءكم فاسق بنبأ ، فتبينوا أن تصيبُوا قوماً لأجل فسقه ، فيقتضي العمومَ مِن هذا الوجه . أقول : كلامُ السَّيِّد أيَّده الله في الاحتجاج بهذه الآية يحتمل إيرادَ إشكالات كثيرة ، نذكر منها ما حَضَرَ : الإشكال الأول : أن نقول : احتجاجُ السَّيِّد بهذه الآية ينبني على أنه لم يكن يَسْبِقُ إلى الأفهام عندَ إطلاق لفظ الفاسق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على مرتكب الكبيرة تأويلاً وتصريحاً ، فكان ينبغي منه أن يذكُرَ الدليل على هذا ، فإنه قاعدةُ دليلِهِ ، ويجب عليه أن يبين على ذلك دليلاً قاطعاً ، وإلا لم يمنع خصمه من الخلاف والمنازعة وقد نسي السيدُ هذا ، ولا يصِحُّ له الاستدلالُ إلا به ، ونحن ننازِعُه في ذلك من طريقين : الطريق الأولى : أنَّه قد ورد في السمع ما يَدُلُّ على أن الفاسق كان في ذلك الزمان يُطلق على الكافر كثيراً ، كقوله تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] ، وقولِه تعالى : { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُون } [ البقرة : 99 ] ، وقولِه في المنافقين : { إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون } [ التوبة : 84 ] ، وقولِه تعالى فيهم أيضاً : { يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين } [ التوبة : 96 ] ، وقوله تعالى : { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ ( 1 )
--> ( 1 ) هي قراءة نافع وابن عامر ، وقرأ باقي السبعة ( كلمة ) بغير ألف . انظر " حجة القراءات " ص 331 .