فوزي آل سيف
68
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
في رواية عن الامام زين العابدين عليه السلام وهذا يعني أنه على الأقل كان في السنوات التي تقترب إلى سنة سبعين أي بعد مرور نحو خمس وثلاثين سنة، ومع ملاحظة أن ذلك تم ظاهراً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهنا نلاحظ تطوراً في جواب الامام السجاد عليه السلام، من الفتوى إلى الاستدلال العلمي على الفكرة، فقد استدل عليه السلام بإبقاء النبي صلى الله عليه وآله فاطمة بنت أسد -وهي من المتقدمات في الايمان- في نكاح أبي طالب إلى أن توفي أبو طالب، فالقائلون بكفر أبي طالب هنا إنما يطعنون في رسول الله لعدم تنفيذه أحكام الله! فقد نقل السيد فخار في كتابه إيمان أبي طالب: «عن علي بن الحسين عليه السلام أنه سئل عن أبي طالب أكان مؤمنا فقال عليه السلام: نعم فقيل له: إن هاهنا قوماً يزعمون أنه كافر، فقال عليه السلام: واعجباً كل العجب أيطعنون على أبي طالب أو على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد نهاه الله تعالى أن يقر مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن ولا يشك أحد أن فاطمة بنت أسد رضي الله عنها من المؤمنات السابقات فإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه»[127]. وتصاعدت نار الحملة تلك في نهاية أيام الأمويين، وأضاف إليها العباسيون مزيداً من الحطب على أثر اشتباكهم مع بني الحسن المجتبى بل عموم الثائرين العلويين، فكما أنهم شددوا الحملة على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الامام الحسن المجتبى[128]، فقد صعدوا إلى الأصول بالتأكيد على كفر أبي طالب، في مقابل التأكيد على فضائل جدهم العباس بن عبد المطلب!. فإذا كان في زمان الامام السجاد كان هناك (قوماً يزعمون أنه كفره)، فإن تعبير الروايات في زمان الامام الصادق عليه السلام أصبح (الناس يقولون) وتعبير الناس هنا قد يكون تعبيراً مجرداً يفيد الكثرة وهو ما يعادل اصطلاح (الجماهير) في هذا الزمان، أو أن يكون كما يراه بعض الباحثين[129] من أنه يعني الرأي الرسمي الذي تتبناه الخلافة وتبشر به. وقد ورد هذا النحو من التعبير في أكثر من رواية منها ما رواه يونس عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: يا يونس، ما يقول الناس في أبي طالب؟. قلت: جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها اُمّ رأسه فقال: كذب أعداء الله، إنّ أبا طالب من رفقاء النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن اُولئك رفيقاً [130]. وكذلك نجده في رواية عبد الرحمن بن كثير: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إنّ الناس يزعمون أن أبا طالب في ضحضاح من نار، فقال: كذبوا، ما بهذا نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله، قلت: وبما نزل؟ قال: أتى جبرائيل في بعض ما كان عليه، فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فأتاه الله أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة، ثم قال: كيف يصفونه بهذا؟ وقد نزل جبرائيل ليلة–ليلة مات أبو طالب–فقال: يا محمد، اخرج من مكة، فمالك بها ناصر بعد أبي طالب[131].
--> 127 إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب)، فخار بن معد الموسوي، ص ١٢٤ 128 نجد هذا واضحا في الرسائل المتبادلة بين المنصور العباسي وبين محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية).. 129 قد يستفاد ذلك من استعمالات الروايات لهذه اللفظة ومنها ما (عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: ما سمعته مني يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه) وسائل الشيعة (الإسلامية)، ج ١٨، الحر العاملي، ص ٨٨ 130 ايمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب)، فخار بن معد الموسوي، ص ٨٢ 131 المصدر السابق ص84