فوزي آل سيف
63
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
فأتياه فلما رآهما أبوطالب قال: إنّ لكما لظنة وخبراً، ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبوطالب وقال له: اخرجْ ابنَ أخي فإنك الرفيع كعباً، والمنيع حزباً، والاعلى أباً، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البُهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعا، ولقد قال: إن من صلبي لنبياً لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدى فليؤمن به»[118]. ولسان حاله: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك، وقر منك عيونا ودعوتني، وزعمت أنك ناصحي ولقد صدقت، وكنت قبل أمينا وعرضت دينا لا محالة إنه من خير أديان البرية دينا كانت نتيجة حماية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله، ودفاعه عنه بشكل دائم أمام قريش وتوجيهه الرسائل الواضحة للقرشيين بأنهم لو مسّوا النبي بالأذى فسيكون ذلك نهاية من يمسه بالأذى، ولقد صدق في مقالته: لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد بالعمل. ففي ذات مرة قال جمع من قريش: أيمرّ بنا ابن أبي كبشة ولا يسلّم علينا، فأيّكم يأتيه فيفسد عليه صلاته؟ فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل. فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وهو ساجد فملأ به ثيابه ورأسه ولحيته، فانصرف النبيّ صلى الله عليه وآله حتّى أتى عمّه أبا طالب، فقال له: يا عمّ من أنا؟ فقال: ولِمَ يا بن أخي؟ فقصّ عليه القصّة. فقال: وأين تركتهم؟ فقال: بالأبطح. فنادى في قومه يا آل عبد المطّلب، يا آل هاشم، يا آل عبد مناف. فأقبلوا إليه من كلّ مكان ملبّين، فقال: كم أنتم؟ فقالوا: نحن أربعون. فقال: خذوا سلاحكم، فأخذوا سلاحهم فانطلق بهم إليهم، فلمّا رأت قريش أبا طالب أرادت أن تفترق فقال: وربّ البنيّة ما يقوم منكم أحد إلاّ جلّلته بالسيف، ثم أمَرَّ ذلك السلا على سبالهم[119] ولحاهم. وكانت تلك رسالة تامة لكل القرشيين، ألا يقتربوا من حرمة النبي محمد. هذا إضافة إلى مئات أبيات الشعر، وعشرات القصائد التي كانت تعلن بشكل لا مرية فيه بأنه واقف كالجبل إلى جنب ابن أخيه، فها هو يقول: كذبتم وبيت الله يبزى محمدٌّ ولما نطاعن دونه ونناضلِ ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائلِ
--> 118 المجلسي؛ محمد باقر: بحار الأنوار 35/142. 119 سلا الناقة هو الغشاء الذي فيه الجنين. والسبال: الشوارب.