فوزي آل سيف

21

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب

في الطرف الآخر كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، قد بلغ من السن ما يقتضي منه الاستقلال والاعتماد على نفسه بل مساعدة عمه وكافله أبي طالب، وكان أن التقت الرغبتان فخرج محمد في أموال خديجة مضارباً بها إلى الشام. وعاد محمد من سفرته التجارية.. عاد وقد ملأ نفس ميسرة غلام خديجة إعجاباً، وأترع قلبه حباً، ورأى معه من العجائب ما ينبغي أن يكون حديث المتكلمين والسُّمار.. فالملكان اللذان يظلانه عن الشمس وصفقة يمينه التي تباري السحاب في بركتها، وأمانته في المعاملة وصدقه فيها، يبطل كل ما قالوه من أن السوق تحتاج إلى أسلوب خاص يعتمد على (الشطارة) والكثير من الكذب، وخداع المشتري واستغفاله، وأن الذي يريد أن يأتي إلى التجارة بمنطق المتقين، وطريقة الأخلاقيين فلن يحصد غير الخيبة.. ها هو محمد.. صدقه في حديثه لا يفارقه، وأمانته في المعاملة لا تخلو منه لحظة، ومع ذلك فقد ربح وربح، ما لو حصل غيره عليه لطار فرحاً، وهام على الثريا اختيالاً.. لله دره أي سر فيه هذا الرجل؟. برقت عيناها بسرور الغبطة، وهي تسمع حديث ميسرة ورأت أنها لم تذهب بعيداً، بل وافقت حسابات الحقل البيدر.. زادت له حباً، وبه تعلقاً وبدأت تفكر كيف يواتيها سعد حظها في الاقتران به، وكان أن أسرت في ذلك لبعض نسائها، ثم أرسلت إلى محمد صلى الله عليه وآله: «يا بن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسِطَتِك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك».. ولعمري إن هذه الكلمات بقدر ما تعرب عن كمال عقل هذه المرأة الطاهرة لتصلح أن تكون برنامجاً تتبعه كل امرأة تريد الزواج والشراكة الحياتية.. فهي قد فصلت ما ينبغي أن تبحث عنه امرأة عاقلة لبيبة، تهافت عليها الرجال الأثرياء وزعماء البلد وقد كانت عندهم الطاهرة وأجمل نساء قريش وأثرى الجميع وردتهم بينما سعت هي بنفسها لكي تتزوج من رجل لا مال كثير له. استجاب النبي وكان الزواج قبل البعثة وتقدم مع عمه أبي طالب عليه السلام وصحبهم حمزة بن عبد المطلب وعدد من بني هاشم، وخطب أبو طالب لابن أخيه خديجة، متقدماً بهذه الكلمات الرائعة التي تنبئ عن استشرافه لمستقبل النبي ودينه الذي سيظهر على الأديان، فمن جملة ما قال: الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وأنزلنا حرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه. ثم إن ابن أخي هذا ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به؛ ولا يقاس به رجل إلاّ عظم عنه ولا عدل له في الخلق وإن كان مقلاً في المال فان المال رفد جار وظل زائل وله في خديجة رغبة وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها والمهر علَيَّ في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله.. وله ورب هذا البيت حظ عظيم ودين شائع ورأي كامل[41].

--> 41  الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، أصول الكافي ج5 ص375.