فوزي آل سيف
22
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
وقام عمها لكي يخطب مجيباً بالقبول، فأخذه البهر والموقف فلم يستطع أن يبلغ حاجته، فقامت خديجة وقبلت لنفسها[42]، بل وضمنت المهر في مالها أيضا.. فقال بعض من حضر: يا عجباً المهر على النساء للرجال؟ فرد أبو طالب عليه: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر وإذا كان أمثالكم لم يزوجوكم إلا بالمهر الغالي. انتقلت خديجة إلى بيت النبي، وعاشت معه خمس عشر سنة قبل البعثة وهي ترى كل يوم عجباً من عجائبه ينبئها عن المستقبل العظيم الذي تنتظره البشرية من بركته وعمله. وكانت صلوات الله عليها تتحرى مواضع رضاه فتواتيها، فقد قَدِمت على رسول الله مرضعته حليمة السعدية، فقام إليها متذكراً أيام طفولته ورضاعه من صدرها، مناديا إياها: أمي، أمي.. وألقى إليها بردائه وأقبل عليها يسألها عن حالها، وما أن ذكرت له ضيق اليد، وخشونة الدنيا، وتقدم السن بها إذ يمر على ذكرى رضاعه حينئذ ما يقارب الثلاثين عاماً حتى انبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وما أكثر ما يحرك ضميره حاجةُ الإنسان فكيف إذا كان مرضعته!! قام لخديجة يحدثها عن مرضعته ولزوم مساعدتها، وخديجة التي تتطلب قضاء حاجة لزوجها فلا يكلفها بل يقضي حوائجه بنفسه، ها هي لا تسعها الفرحة، لتقضي لمحمد حاجة يطلبها، فتأمر بما يسر محمداً صلى الله عليه وآله، قطيع من الغنم، ومعه ناضح يحمل الماء.. لمرضعة الحبيب المصطفى، وقد كان ذلك سبباً في رجوعها في عام آخر بعد البعثة وإسلامها وزوجها على يد رسول الله[43]. خديجة المؤمنة يعاني المصلحون مشكلة في تعويد زوجاتهم على نمط الحياة التي يعيشونها، ويعانون أكثر من عدم استقبالهن للتغيرات التي تحصل في تلك الحياة، والمراحل الجديدة التي يطوونها، ذلك أن هؤلاء يواجهون المجتمع المنحرف عنهم والمقاوم لتوجهاتهم، هذا خارج البيت والأسرة، ويتوقعون أنهم يجدون الدفء والدعم في داخل البيت، فإذا كانت زوجاتهم غير مستعدات لتلقي هذه التغيرات بدعم أزواجهن والتخفيف عنهم فإن مصيبة المصلح تكون مضاعفة، فضلاً عما إذا كانت الزوجة غير مؤمنة به، ولذا وجدنا تعبير القرآن عن هذا الصنف من النساء تعبيراً قاسياً، كما يلحظ في سورة التحريم {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امرأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}[44].. إن تعبير القرآن الكريم عنهما بالخيانة مع أنها ليست الخيانة الزوجية، ليكشف عن مدى شناعة العمل في نظر القرآن الكريم، وإنما كان تخلياً عن عقيدتهما وعن دعم النبيين المذكورين في الآية.
--> 44 سورة التحريم: 10. 42 أما ما يذكره البعض من أنها قامت إلى أبيها فسقته الخمر، وتم العقد وهو ثمل، حتى إذا أفاق قام صاخباً!! فهذا لا يقوله عالم! ذلك أن أباها قد توفي قبل هذا بفترة طويلة.. وهكذا الزعم بأن عمها لم يكن موافقا على الزواج وأنه كادت أن تحدث معركة لأجل ذلك فهذا أسوأ من سابقه لأن خديجة كانت ذات شخصية استثنائية وكانت سيدة قريش ولم يكن لأحد عليها أمر ولا نهي حتى يوافق أو يأبى!! 43 المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج 15 ص401.