فوزي آل سيف
18
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
شتان بين امرأة تعطي كل ذلك وتشهد عليه، وحتى الآن لم يبعث النبي بالرسالة، وبين باقي النساء اللاتي شهدن نبوته وبعثته وجهاده وصبره وأذاه في أحواله كلها، ثم يطلبن منه المال والدنيا!! لا غرابة بعد ذلك أن يقول النبي فيها ما يقول من اظهار المحبة لها والتعلق بها، وقبل ذلك لا غرابة أن يكرمها الله بما حرمت منه غيرها من كون نسل النبي وامتداده منها ومن بناتها.. رزقها الله منه قبل البعثة ثلاث بنات هُن زينب ورقية وأم كلثوم[34] وأما بعد البعثة فقد ولدت له القاسم وعبد الله ورزقها الله منه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء. جهادها أول البعثة: لم يقتصر عطاء السيدة خديجة على الجانب المالي وإن كان عظيماً، وقد أشار له أمير المؤمنين علي عليه السلام في توجيه كثرة إنفاقات الرسول صلى الله عليه وآله قائلاً: (وأين يذهب بك عن مال خديجة؟) فكان بعض الأرقاء من المسلمين يحررهم النبي ويعطي أثمانهم من أموالها المباركة، ولما أمر المسلمين بالهجرة على مرحلتين في الأولى (17) كما قيل، وفي الثانية (70) كانت نفقات انتقالهم وطعامهم وشرابهم مما أعطي من مال خديجة حتى روي عنه صلى الله عليه قوله ما نفعني مال قط ما نفعني مال خديجة. بل كانت تتحمل إنفاقات النبي حتى في الأمور المستحبة فقد قَدِمت حليمة السعدية على مكة بعد أن تزوج رسول الله بخديجة، وشكت إليه الجدب، فكلم خديجة بشأنها فأعطتها أربعين شاة[35]. وإلى أن صار الحصار الاقتصادي على النبي وبني هاشم في شعب أبي طالب، فقد أنفقت كل مالها حتى لم يبق لها شيء تنفقه! هذا كله وإن عظم إلا أنه لم يكن جهادها الوحيد. بل كانت أول المسلمات والمؤمنات به، وكانت تتفقد أمره إذا خرج لغار حراء وتأتي له بالطعام، ولك أن تتصور امرأة فوق سن الأربعين - بعد بعثة النبي - تصعد هذا الجبل العالي لكي توصل الطعام لزوجها النبي، وإذ أغري به أشقياء قريش وسفهائهم قامت –مع علي عليه السلام –للذب عنه، وكان بعضهم يرمي بيتها وبيت النبي بالحجارة، فكانت تصرخ في وجوه القرشيين: أترمى الحرة في بيتها؟. سلام على أم المعصومين الاثني عشر (فاطمة والحسنين والتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام).
--> 34 يكون الحديث عنهن في فصل خاص بعنوان بنات النبي من خديجة. 35 الصالحي الشامي؛ سبل الهدى والرشاد 1/ 341.