فوزي آل سيف
17
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
أنا لا أدري هل يلتفت أصحاب هذا القول إلى أنه يستلزم الطعن في رسول الله أولاً وفي بني هاشم ثانياً وفي خديجة ثالثاً وفي صحة نكاح خديجة[31] رابعاً!. تم العقد وخطب عمها بشكل مختصر موافقاً، وقيل إنه أصابه البهر فقامت خديجة – وكانت برزة وذات شخصية فخطبت موافقة على ذلك، ومشيرة إلى أن المهر من مالها -. الأمر الذي جعل بعض الحسدة يقول: رأينا الرجال يمهرون النساء، ما رأينا النساء يمهرون الرجال! فنهض إليه أبو طالب وقال: يا لكع، الرجال مثل محمد، يحمل إليه ويهدى ويعطى، ومثلك من يعطي ويهدي ولا يقبل منه. لم يتأخر الزواج بعد العقد، وبعده قيل إن خديجة قامت عند البيت الحرام ووكلت من يخطب أن يقول: أيها الناس هذه خديجة بنت خويلد تقول: إنّ ما تملك من مال وشاءٍ وإبل وعقار وأعبد وجوارٍ وغير ذلك كل ذلك قد وهبتها لزوجها محمد صلى الله عليه وآله يتصرف فيها كيف يشاء يهب من أحب ويمنع من أحب. أنظر الفرق ولماذا ارتقت خديجة هذا المرتقى العالي! ومن عجبٍ أن يقارَن بها غيرُها وأن يناقش هل هي الأفضل أم لا؟. ذلك أن المفسرين قد ذكروا في تفسير آية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}[32]. أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ عائشة سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، إِمَّا زِيَادَةً فِي النَّفَقَةِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ شَهْرًا فِيمَا ذُكِرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِمَا قُسِمَ لَهُنَّ وَالْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُمَتِّعَهُنَّ وَيُفَارِقَهُنَّ إِنْ لَمْ يَرْضَيْنَ بِالَّذِي يُقْسَمُ لَهُنَّ[33]. فكان أن أتاه الوحي بالتخيير بعد أن هجرهن أربعين يومًا وأقام في مشربة أم ابراهيم–مارية القبطية – وبعدها خيرهن بين الله ورسوله والصبر على ما يجدن، أو الفراق معهن والتسريح لهن، فكأن أول القائمات أم سلمة وقالت: اخترت الله ورسوله! على أثرها قامت بقية النساء.
--> 31 قد يقال: إن خديجة لم تكن بكرا فلا تحتاج لاستئذان أبيها، وأن هذا الأمر كان قبل الاسلام، وكلا الأمرين لا مجال لقبولهما، فكونها ثيبا قد تبين في الصفحات الماضية عدم صحته، وأنها لم تر زوجا قبل النبي، والثاني أنه ولو كان قبل الاسلام إلا أن (لكل قوم نكاح) وبشروطه حتى يفترق عن السفاح، والنكاح هنا عند العرب كان مرتبطا بإذن الأب. بل كانوا يتشددون في أنه لا بد من ولي في النكاح.. ولو أن الاسلام لم يجعل على المرأة وليا بعد أبيها وجدها لأبيها فيما يرتبط بالنكاح كما يرى الفقه الجعفري. 32 سورة الأحزاب:28. 33 الطبري؛ ابن جرير:تفسير الطبري 19/84.