فوزي آل سيف

84

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

قال الجعفري: فبلغني أن كتاب موسى بن جعفر عليه السلام وقع في يدي هارون فلما قرأه قال: الناس يحملوني على موسى بن جعفر وهو بريء مما يرمى به”[170]. ولا يعني هذا أنه لم يكن يتعاطف مع الحركات الثورية المخلصة المعارضة للسلطة الظالمة، ولكنه لم يكن يرى أن يصطدم مع هذه الدولة الجبارة في قوتها والتي سوف تحشد كل تلك القوة في مواجهة من يعارضها، بل إنها كانت تتمنى الاصطدام وتتحين الفرص لذلك، لأنه يمكنها من القضاء على القوة المنافسة في ميدان هي الأقوى فيه. أما ميدان العلم والتبليغ ونشر العقيدة الصحيحة والاستقامة على المنهج فهي فيه الأضعف. إننا رأينا أن الإمام عليه السلام مع تعاطفه القلبي الذي لم يكن يخفى حتى على يحيى بن عبد الله (إن تمت الرواية السابقة وليس ذلك بعيدا)[171] حتى أنه أشار إليه في رسالته للإمام، وتعاطفه المشهور مع الحسين بن علي بن الحسن المثلث شهيد فخ، حتى إنه “لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابنُ عمِّك عمَّك أبا عبد الله فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمرًا فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان، ثم ودعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودعه: يا ابن عم إنك مقتول فأجد الضراب فإن القوم فساق يظهرون إيمانا ويسترون شركا وإنا لله وإنا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة، ثم خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلهم كما قال عليه السلام»[172]. ولو نظرنا إلى ظروف بعض هذه الحركات الثورية لرأينا أن السلطة العباسية مارست معهم الاستفزاز في صوره المختلفة من شتم الآباء واتهام النساء العفيفات بالزنا والاهانة والتنكيل بأهل الشرف والمنزلة من العلويين والإيذاء بمختلف صوره حتى يرفضوا ذلك وينهضوا في وجه العباسيين فإذا فعلوا ذلك قالوا بصراحة لهم: الآن حل لنا دمكم!! ولعل ما جرى مع الحسين بن علي شهيد فخ قبيل نهضته يشير إلى هذا.. فإنهم يذكرون أنه: “كان سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن موسى الهادي ولى المدينة إسحاق بن عيسى بن علي، فاستخلف عليها رجلًا من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله، فحمل على الطالبيين وأساء إليهم، وافرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض كل يوم، وكانوا يعرضون في المقصورة، واخذ كل واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه فضمن الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله بن الحسن، الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ووفى أوائل الحاج وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلا، فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها، ولقوا حسينًا وغيره، فبلغ ذلك العمري فأنكره، وكان قد اخذ قبل ذلك الحسن بن محمد بن عبد الله، وابن جندب الهذلي الشاعر، ومولى لعمر بن الخطاب، وهم مجتمعون، فأشاع انه وجدهم على شراب، فضرب الحسن ثمانين سوطًا، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطا، وضرب مولى عمر سبعة أسواط، وأمر بأن يدار بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم. فبعثت إليه الهاشمية صاحبة الراية السوداء في أيام محمد بن عبد الله فقالت له: لا ولا كرامة لا تشهر أحدا من بني هاشم وتشنع عليهم وأنت ظالم. فكف عن ذلك وخلى سبيلهم.

--> 170  الكليني: الكافي١/ ٤١٤ 171  بل قد نقل الاصفهاني في مقاتل الطالبيين ١/‏٣٨٣ ما هو أكثر من ذلك؛ فقال راويا عن بعضهم «سمعت الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله يقولان: ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر فأمرنا بالخروج..»، وللحديث عن طبيعة علاقة بني الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بالأئمة مجال غير هذا قد نتعرض إليه بالتفصيل. 172  المصدر نفسه ٤١٥