فوزي آل سيف

81

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

إن تشنج المنصور العباسي حتى كان قد عزم على أن يقتل وصي الإمام جعفر الصادق لولا أن الإمام قد احتاط لذلك بتدبير، وتقلب المهدي العباسي، وشراسة موسى الهادي، وخبث ومكر هارون الرشيد، كل ذلك كان يحتاج إلى كظم الغيظ والتفكير بهدوء في إدارة المعركة مع هذه السلطات الظالمة، لأجل استمرار دور الإمامة في عملها مع المؤمنين. نعم لا شك أن كظم الغيظ كصفة أخلاقية في التعامل مطلوب من جميع المؤمنين، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة منها ما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من كظم غيظا وهو قادر على إنفاذه وحلم عنه، أعطاه الله أجر شهيد»[162] وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء»[163] ومنها ما عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: «من كظم غيظا، وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمنًا وإيمانًا يوم القيامة». وينبغي أن يكون كظم الغيظ هو البوصلة التي تحدد اتجاه التعامل بين الناس، بين الوالد وولده، وبين الزوج وزوجته، وبين رب العمل وعماله، وهكذا. ولا ريب في أن هذه الطريقة لها أكبر الأثر الايجابي في تصحيح علاقات المؤمنين بعضهم ببعض. إلا أن الشيء الأهم والأكثر آثارا ونتائج هو كظم الغيظ في المجال السياسي، فقد لاحظنا أن حروبًا من الممكن أن تقوم وتخلف القتلى والجرحى وتنهك البلاد والعباد كان من الممكن تجاوزها لو تم السيطرة عليها بكظم الغيظ وتجنب تأثيرات حالة الانتقام وسيطرة عقلية الثأر! وفي زمان الإمام الكاظم عليه السلام كان معظم الخلفاء قد أخذتهم زهوة السلطة، والشعور بالقوة، والاستمتاع بإخضاع المخالفين[164] وكان في بعضهم من بذاءة اللسان وقذارته ما يستفز الحليم ويثير العاقل، والغريب أن مثل هؤلاء إذا صدر منهم بذاءة وقذارة لسان ورُدّ عليهم في ذلك لا يفيقون أو ينتبهون إلى خطئهم وأنه كان غير مناسب أن يقولوا مثل ذلك! بل تأخذهم العزة بالإثم ويتخذون موقفا بالعقوبة أسوأ!

--> 162  الصدوق: الأمالي ٥١٦ 163  السيوطي، جلال الدين: الدر المنثور في التفسير بالمأثور2/ ٧٣ 164  ابن عساكر، أبو القاسم: تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٢/‏٣٣١: قال عبد الصمد بن علي للمنصور (العباسي): يا أمير المؤمنين لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو! قال: لأن بني مروان لم تبلَ رممُهم وآل أبي طالب لم تُغمَد سيوفهم ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوَقة واليوم خلفاء فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة..