فوزي آل سيف

80

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

لا سيما وأنه قد ورد في بعض الروايات أنه تم تطبيقها على الإمام زين العابدين، كما نقل ذلك شيخ الطائفة الطوسي في تفسير التبيان (ت460ه‍) والبيهقي في سنن البيهقي (458ه‍) وبعدهما الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، فقد ذكروا في تفسير هذه الآية المباركة {وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ}: روي أن جارية لعلي بن الحسين، جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها فشجه، فرفع رأسه إليها، فقالت له الجارية: ان الله تعالى يقول: {وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ} فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: {وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} قال: قد عفا الله عنك. قالت: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله[158]. وقد نسب الحادثة كتّابٌ آخرون لبعض الأئمة كالإمام الصادق تارة، والإمام الكاظم[159] أخرى ولكن أكثر المصادر تشير إلى أنها حصلت للإمام زين العابدين عليه السلام. وقد أغرب الغزالي في إحياء علوم الدين[160] حين نسبها إلى شخص يسمى ميمون بن مهران، وآخر نسبها إلى هارون العباسي وهذا من أعجب العجب فإن هارون كان لا يقف أمام غيظه شيء! ويكفيك ما فعله بالإمام موسى بن جعفر حيث لم يتحمل منه أن ينتسب إلى جده رسول الله! بل يكفيك أن ترى ما صنعه بالبرامكة مع ما شيدوه له من أركان حكمه فلم يبق عليهم باقية! وعلى كل حال فإن هذه الصفة (الكاظم) أصبحت لقَبًا للإمام موسى بن جعفر عليه السلام بحيث لو أطلقت لا يكاد يتبادر للذهن سواه.. لماذا؟ إننا نعتقد أن ذلك يرجع إلى أن هذه الصفة كانت العنوان العام الذي كان يعرّف سياسة الإمام موسى طيلة حياته وإمامته، ونعيد إلى الذهن ما ذكرناه في حديثنا عن الإمام الحسن بن علي المجتبى عليهما السلام من أن ألقاب الأئمة لم تكن هكذا عشوائية وإنما في الغالب هي إشارات إلى الأدوار التي قام بها المعصومون. وبناء على ذلك نقول: إن كظم الغيظ تارة يكون ضمن الإطار الفردي الاخلاقي مثل الحادثة المذكورة مع الجارية أو العبد، وأخرى يكون استراتيجية عامة في التعامل مع السلطة الحاكمة أو الفئات المخالفة، ونعتقد أن هذا الثاني أكثر أهمية من الأول. فإن اتخاذ كظم الغيظ استراتيجية تعاملٍ مع السلطات بالرغم من تعمدها استفزاز مخالفيها هو أقصى درجات التعقل والحفاظ على الذات والمكتسبات والأنصار، بينما الانسياق وراء الاستفزاز بالرد والتحدي قد يكون فخًّا نصبته السلطات لمخالفيها لتجرهم إلى معركة غير متكافئة وتنهي بذلك وجودهم. إن بقاء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وشيعته خارج دائرة المواجهة المباشرة مع السلطة العباسية التي كانت في أوج قوتها أيام ثلاثة من خلفاء العباسيين الأقوياء، وفي إبان شباب هذه الدولة ونشاطها، كان من ثمرات سياسة كظم الغيظ وعدم الاستجابة للاستفزازات. ولهذا طالت مدة إمامة الإمام موسى نحوا من خمس وثلاثين سنة، وهي من أطول فترات الإمامة بين المعصومين عليهم السلام [161].

--> 158  الطبرسي، الفضل بن الحسن: تفسير مجمع البيان ٢/٣٩٣ 159  ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 46/ 18 160  الغزالي؛ أبو حامد: إحياء علوم الدين 6/ 51 161  استمرت فترة إمامة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام 30 سنة، والإمام علي بن الحسين 33 سنة، والامام الصادق 34 سنة، بينما كانت إمامة الإمام الكاظم 35 سنة، والإمام الهادي 33 سنة.. ففترة إمامة الكاظم هي أطول الفترات قاطبة.