فوزي آل سيف

50

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

من الدور العلمي للإمام الكاظم عندما يتم الحديث عن الدور العلمي والفكري الذي قام به الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، قد تتملك البعض الدهشة، إذ يتصورون أن الإمام عليه السلام مع كونه في السجون كيف يتسنى له أن يقوم بمثل هذا الدور؟ وهذه الفكرة كما أشرنا في موضع آخر هي خاطئة فإن حياة الإمام الكاظم عليه السلام كانت حافلة بالدور العلمي وتبليغ الشريعة للناس في أغلب فترات حياته، حتى قبل إمامته الفعلية، بل حتى في فترات سجنه كان لا يتوقف عن هذا العمل والقيام بهذا الدور، وستكون السطور التالية مع اختصارها شارحة لهذا المعنى. أولا: من دوره العلمي وأجوبته ومناظراته أيام طفولته وشبابه المبكر: 1/ نبدأ في هذا من زمان أبيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام، فمع أنه عليه السلام قد غطت شمسه الساطعة كل ما حوله، إلا أن ابنه الكاظم عليه السلام أيضًا برز في وقت مبكر جدا بنحوٍ تنقل كلماته، ففيما كان الإمام موسى في بدايات عمره،[112]سأله أبو حنيفة النعمان مسألة عقائدية كانت تضطرب فيها الأفهام، وتستغلها الجهات السياسية للتنصل من مسؤولية المعصية والانحراف، فأجاب الإمام عليه السلام أبا حنيفة جوابًا في غاية الاتقان، ولنسمع ما يقوله الإمام علي الهادي حفيده وهو ناقل الخبر عن آبائه عنه مما يشير إلى افتخاره عليه السلام بجواب جده واستشهاده به[113]: “قال: خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق عليه السلام، فاستقبله موسى بن جعفر عليه السلام، فقال له: يا غلام! ممن المعصية؟ فقال: لا تخلو من ثلاثة: إمّا أن تكون من الله عزّ وجل وليست منه، فلا ينبغي للكريم أن يعذبَ عبده بما لم يكتسبه، وإمّا أن تكون من الله عز وجل ومن العبد، فلا ينبغي للشريكِ القوي أن يظلمَ الشريكَ الضعيفَ، وإما أن تكون من العبدِ وهي منه، فإنْ عاقبه الله فبذنبه، وإن عفا عنه فبكرمه وجوده».[114]

--> رضي الله عنه 112  يستفاد ذلك من تعبير أبي حنيفة عنه بـ (يا غلام). وفي نقل البحار 48/ 175عن أعلام الدين للديلمي التصريح بأنه خماسي أو سداسي، وسيأتي ذكر رواية عن الإمام موسى فيها التصريح بتصديه لجواب جماعة من اليهود في هذا العمر! 113  حدثنا محمد بن أحمد السناني المكتب ، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن الإمام علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه الرضا علي بن موسى عليهم السلام، ونحن نلاحظ هنا أن الامام عليًّا الهادي عليه السلام وهو الذي كان يقوم بإعادة تصحيح المفاهيم العقائدية كما سيأتي في كتاب خاص عنه، قد روى ذلك عن أبيه الجواد عن جده الرضا والإمام عليٌّ الرضا قد روى الحادثة عن أبيه موسى الكاظم، مما يشير في رواية كل واحد منهم عن الآخر إلى اعتزازه بذلك الجواب! ويلاحظ أن فكرة (أن الله خلق العبد وما عمل من معصية أو طاعة) والتي هي في الأصل فكرة أموية تنتهي إلى الجبر وعدم الاختيار وبالتالي رفع مسؤولية الحاكم الظالم عن معاصيه وانحرافاته قد تبنتها السلطة العباسية عندما تحالفت مع أهل الحديث وبالذات في أيام المتوكل العباسي، فأصبحت سنة أموية عباسية، وقد كان الامام الهادي راويها يعيش ضمن تلك الظروف. وفي الحادثة معان أخر قابلة للتأمل والتدبر. 114  الشيخ الصدوق: الأمالي ٤٩٥، وقد نقلها ابن حمزة الطوسي في ثاقب المناقب/ 171 ببعض الاختلاف، فقال: اشتهر عند الخاص والعام من حديث أبي حنيفة حين دخل دار الصادق عليه السلام فرأى موسى عليه السلام في دهليز داره وهو صبي، فقال في نفسه: ان هؤلاء يزعمون أنهم يُعطَون العلم صبيةً وأنا أسبر ذلك، فقال له: يا غلام إذا دخل الغريب بلدة، أين يُحدِث؟ فنظر اليه نظر مغضب، وقال: يا شيخ أسأتَ الأدب، فأين السلام؟ قال: فخجلت ورجعت حتى خرجت من الدار وقد نبل في عيني، ثم رجعت إليه وسلمت عليه، وقلت: يا بن رسول الله، الغريب اذا دخل بلدة أين يحدث، فقال صلوات الله عليه: يتوقى شطوط البلد، ومشارع الماء، وفيء النُّزَّال، ومسقط الثمار، وأفنية الدور، وجادَّ الطرق، ومجاري المياه ورواكدها، ثم يحدث أين شاء، قال: قلت: يا ابن رسول الله ممن المعصية؟ فنظر اليّ وقال: اما أن تكون من الله أو من العبد أو منهما معًا، فان كانت من الله فهو أكرم أن يؤاخذه بما لم يجْنِه، وان كانت منهما فهو أعدل من أن يأخذ العبد بما هو شريك فيه، فلم يبق إلّا أن يكون من العبد، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبعدله.