فوزي آل سيف

4

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

ولقد شارك بعض المؤرخين والعلماء المرتبطين بالسلطات في ذلك بشكل أو بآخر، فإذا رأيت أن عالِمًا ومؤرخًا كعبد الرحمن بن خلدون يتحدث عن هارون الرشيد بهذا النحو ويصفه بتلك الاوصاف[3]. فماذا سيقول عنه غيره من عامة الناس؟ وماذا سيقول نفس ابن خلدون عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام؟. ومن هذا المنطلق فإننا نرى أن من الضروري التركيز على سير المعصومين من أهل البيت عليهم السلام، لكي تترسخ في الأمة سيرهم، ولتكون أسماؤهم هي النماذج الرفيعة والرموز العالية! وحتى تتجاوز الأمة مشكلة تغييب سير المعصومين التي كانت الحكومات الرسمية في أكثر مراحل تاريخ الأمة تسعى فيها[4]. إن التعرف على سير المعصومين لديه رسالة يقول فيها: أيها الناس ليس تاريخ الإسلام تاريخًا للسجون ولا توثيقًا لمجالس اللهو واللعب والملذات وإنما هو تاريخ الجهاد والعبادة والصبر والعطاء والفضيلة، وهذا التاريخ هو الذي مثله أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم من ذرية نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولولا هذه السيرة والتاريخ الناصع لما كان في تاريخ السلطات تلك والحاكمين إلا سوءات الشهوات، وقسوة الجلادين. وفي هذه الصفحات سيكون لنا مرور ولو سريع على حياة عالم آل محمد، والذي وصف في زيارته بأنه «وصيّ الأبرار، وإمام الأخيار، وعيبة الأنوار، ووارث السكينة والوقار والحكم والآثار، الذي كان يحيي الليل بالسهر إلى السحر، بمواصلة الاستغفار حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضراعات المتصلة الجميلة، ومقرّ النهي والعدل، والخير والفضل، والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر، والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذب في قعر السجون وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود، والجنازة المنادى عليها بذل الاستخفاف، والوارد على جده المصطفى وأبيه المرتضى، وأمه سيدة النساء، بإرث مغصوب، وولاء مسلوب، وأمر مغلوب، ودم مطلوب وسم مشروب. اللهمّ وكما صبر على غليظ المحن، وتجرع فيك غصص الكرب، واستسلم لرضاك، وأخلص الطاعة لك، ومحض الخشوع واستشعر الخضوع، وعادى البدعة وأهلها، ولم يلحقه في شيء من أوامرك ونواهيك لومة لائم»[5].

--> 3  ابن خلدون، عبد الرحمن: تاريخ ابن خلدون، ج ١/ 23 «..وأما ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاورته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري ومكاتبته سفيان الثوري وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكة في طوافه وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها، حكى الطبري وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحج عاما..» 4  ذكرنا نماذج وتفاصيل ذلك فيما يرتبط بتغييب سيرة الامام الحسين عليه السلام في كتابنا: أنا الحسين بن علي، فليراجع. 5  ابن طاووس، علي بن موسى: مصباح الزائر 383