فوزي آل سيف

37

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

لا ينفعه فيما نعتقد عملٌ يقوم به وقد أقعده إثم سجن الإمام موسى وقتله! وفي هذا لا نحتاج لإثبات أن الإمام قد سجن عشرات السنين ليتبين مقدار جرم هارون، ولا مقدار معاناة الإمام عليه السلام، إن يومًا واحدًا من سجن الإمام يكفي لبيان آثام هارون! وخسارة الأمة بانقطاع اتصالها بالإمام عليه السلام! وبيان عظم التعدي على مقام الإمامة والولاية، والتجري على ما أثبت الله حرمته واحترامه! 2/ إننا هنا نشير بإصبع الانتقاد إلى المؤرخين والمحدثين الذين ذكروا (وفاة) الإمام موسى بن جعفر عليه السلام هكذا على أنه قُبض أو مات، في سنة كذا أو في بغداد، فإن هذا يستبطن إخفاء أمرين: أنه كان مسجونًا وقضى في السجن وأنه قُتل مسمومًا! فهذا الطبري شيخ المؤرخين الذي كتب مشرِّقا ومغرِّبا عن كل أحد لم يتسع تاريخه لذكر سجن الامام موسى بن جعفر وشهادته مسموما إلا بمقدار «وفيها مات موسى بْن جعفر بْن محمد ببغداد»[88]. ومثله وأنكى ابن كثير الدمشقي الذي استكثر على نفسه أن يذكر سجن الامام ولو عرَضًا، بينما ذكر فضائل سجّانه المهدي فقال أطلق مسجونًا من أقاربه[89]! نعم ذكر الاسم في موضع آخر، وكأنه لا يريد أن يفوتها فقد ساق الحديث بنحوٍ يشي للقارئ بأن سبب سجنه هو أنه أحفظ هارون وأغاظه فاستدعاه (هكذا) وسجنه وأطال سجنه، فأرسل إليه الإمام: يا أمير المؤمنين!! إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء[90].. الخ. وأنت ترى عزيزي القارئ أن كلمة يا أمير المؤمنين هنا هي من إضافة هذا المؤرخ ذي التوجه الأموي، وإلا فإن نص الرسالة كما سننقلها في موضع آخر، هو سياق صارخ بالرفض والتحدي. 3/ إنه لا بد من التفريق بين مقام الشعر وما يشبهه وبين مقام التدقيق فإن الشعر قائم في العادة على المبالغة في تصوير المشهد حتى قيل إن أعذب الشعر أكذبه، وكلما كانت الصورة أعظم فيه كانت أدعى إلى قوة القصيدة، وما ينقل على المنابر أحيانا من بعض الخطباء والكاتب منهم من تمثل بالشعر واستشهاد به قد يكون في حالات كثيرة خاضعًا لهذا الاتجاه، وربما لهذا السبب سيكون ما يأتي من الحديث فيه بعض الغرابة ومخالفا للذوق العام لمستمع المنبر.

--> 88  الطبري: تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري ٨/‏٢٧١ 89  ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/‏٥٤٢ قال الربيع الحاجب: رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهو له عليه ثياب حسنة، فما أدري هو أحسن أم القمر، أم بهوه، أم ثيابه. فقرأ {فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ} [محمد: 22] الآية. ثم أمرني فأحضرت رجلا من أقاربه كان مسجونا فأطلقه! 90  نفس المصدر ١٣/‏٦٢٤