فوزي آل سيف
67
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
أدلة المسلمين على بناء القبور: وأما إجمال المطلب عند عموم المسلمين - عدا الفئة المانعة المحرِّمة - فيمكن أن يُستدل لهم على مشروعية البناء على القبور واتخاذ الأضرحة والمشاهد بالأمور التالية: الأمر الأول: من القرآن الكريم؛ فإن القرآن الكريم عندما تحدث عن قصة أصحاب الكهف وبعد عدة مئات من السنين التي ناموها في ذلك الكهف توفاهم الله. آنئذ حصل خلاف وحوار بين أبناء ذلك المجتمع وكان فيهم فئة مؤمنة، وفئة غير مؤمنة وهم القائلون: {ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}[[224]]، وهذا يشبه تمامًا المتاحف والمعالم الأثرية التي تكون محل جذب سياحي، باعتبار أن قضيتهم قضية غريبة، فبعد أكثر من ثلاثمائة سنة ناموا ثم استيقظوا، إذ لم تؤثر تلك السنوات في أعمارهم، ثم انتقلوا إلى رحاب الله. فحينما يتسامع بهم الناس من كل مكان سيزورون هذه البلدة وما يرافق ذلك من نمو اقتصادي وغير ذلك. والرأي الآخر كان للفئة المؤمنة وهي الغالبة {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا}[225]، فكانت الفكرة: لنتخذن عليهم مسجدًا نجعل بنيانًا من قماشتهم وما يتماهى مع قصتهم التي كانت في عبادة الله عز وجل، فكيف أنهم صمدوا في هذه العبادة وهربوا بدينهم وحافظوا عليه؟ المَعلَم الذي ينبغي أن يكون لهم هو ما يتناسب وقصتهم، وليكن مسجدًا؛ مكان عبادة، ودار توجه إلى الله سبحانه وتعالى، وفعلًا هذا الذي حدث، إذ اتخذ عليهم مسجد. دفع وهم!! لعل الطرف الآخر يُشكل بأن هذه المسألة كانت في قديم الزمان، وفي مجتمع آخر لا يتناسب مع زماننا، ولا يلتقي مع ديننا. ويرد على ذلك بالتالي: إن القران الكريم من شأنه إذا ذكر مسألة عقائدية، أو عبادية، أو حكمًا وكان فيه مخالفة للدين الصحيح لا بد أن ينبه عليه، وهذا التنبيه كثير في القرآن منها: قول اليهود: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}[[226]]، فالقرآن يرد على هذا: {ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}. أو يستبق الأمر فيصف الفكرة بأنها خاطئة، وما أكثر ذلك في القرآن الكريم، كقول الكفار {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}[[227]]، فإنه يسبق قولهم هذا فيصفهم بأنهم جعلوا أهواءهم آلهة لهم ولذلك ختم على سمعهم وقلوبهم.. وحينها قالوا هذا الكلام، فيقول مستبقا كلامهم: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)[228].
--> ] 228 الجاثية:23 224 ] الكهف، الآية: 21. 225 ]الكهف، الآية: 21. 226 ] التوبة، الآية: 30. 227 ] الجاثية، الآية: 24.