فوزي آل سيف
68
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
الشاهد: لو كان كلام الذين آمنوا ممن شهدوا حادثة أهل الكهف، ونقل القرآن كلامهم {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} يدعو إلى الشرك، وأنه خلاف التوحيد، لنبه القرآن الكريم على ذلك، ولم يترك الأمر كما هو. فإذا كانت فئة عادية لم تتسلح سوى بإيمانها بني عليهم مسجد، واتخذ مكانًا لذكر الله عزّ وجلّ، ولتذكر قصتهم على تعاقب الأزمان، فما ظنك إذا كان نبيًّا من أعظم أنبياء الله؟! أو وصيًّا من أوصياء رسول الله؟ أو وليًّا من أولياء الله؟! فمن باب أولى. الأمر الثاني: إن أبرز ما يذكره أتباع المدرسة السلفية من إشكالات حول البناء على القبور وزيارتها من أن الطواف حول تلك القبور بدعة، أو شرك[[229]]؛ لأنهم سوف يلجؤون بالدعاء إلى غير الله، وهذا شرك. ويجاب على ذلك بالتالي: 1/ الادعاء بأن من يذهب إلى تلك القبور أنه يدعو من دون الله، ادعاء باطل لا قيمة له، بل الأمر على خلافه؛ فإن من يتوجه إلى تلك الأماكن يدعو الله وحده لا شريك له، ويتقرب إليه سبحانه وتعالى. 2/ هل أن الشرك ألفاظ وكلمات أم اعتقادات؟! هل هو أفعال خارجية أم أفعال ينضم إليها الاعتقاد؟! إذا كان مجرد الألفاظ، أو الممارسة المجردة دون اعتقاد شركًا، فهذا من المخالف لكتاب الله عزّ وجلّ، ومخالف لما عليه أنبياء الله عزّ وجلّ، وما أكثر الآيات والقصص في ذلك، نستعرض بعضًا منها: ما جرى لعمار بن ياسر حينما قال كلمة الكفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه، فنزلت الآية الشريفة: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}[[230]]. فهذا بحسب ادعاء بأن الشرك ألفاظ يكون عمار بن ياسر قد خرج من الإسلام، بينما الله سبحانه وتعالى برأه من الشرك، ونفى عنه ذلك. ما جرى لنبي الله يعقوب عليه السلام وأبناؤه حينما التقوا بيوسف عليه السلام في مصر واستقبلهم خرّوا له سجدًا {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖوَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}[[231]]. إن يعقوب نبي من أعاظم الأنبياء فجده نبي، ووالده نبي، وعمه نبي، وابنه نبي، وقام بفعل لابنه يوسف عليه السلام من أعظم أفعال التعظيم، ومن أحسن العبادات، وهو السجود، فلو سجدوا ليوسف حقًا معتقدين أنّه هو الله، أو ابن الله، أو شريك مع الله، لحلّت عليهم صاعقة العذاب. إنما خرّوا لله سجدًا لجهة يوسف شاكرين الله وحامديه بما مَنّ الله عليهم بيوسف. إذن: الفعل بنفسه لا يدل على الشرك إلا إذا انضم إليه الاعتقاد. ما جرى لإبليس والملائكة في قصة السجود لآدم، فإن الله سبحانه وتعالى أمر الملائكة بأن يسجدوا لآدم ليس باعتباره ربّ؛ وإنما لأنه عبد من عبيد الله عزّ وجلّ، وهذا أمر من الله، ولذا حينما امتنع إبليس من السجود طرد من رحمة الله.
--> 229 ] يقول الشيخ ابن باز: إذا طاف يريد التقرب إلى أهلها فقد أشرك، وإذا طاف بقصد التقرب إلى الله فقد ابتدع وفعل منكرًا. (راجع موقعه الإلكتروني: https://binbaz.org.sa/) 230 ] سورة النحل، الآية: 106. 231 ] سورة يوسف، الآية: 100.