فوزي آل سيف
66
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
بل ونقلت مصادرهم حث النبي صلى الله عليه وآله على ذلك فقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال مخاطبًا أمير المؤمنين عليا عليه السلام: (من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس). ولأجل أن يكون القارئ العزيز في صورة متكاملة عن هذا الموضوع نقول: - لا كلام بين المسلمين جميعًا في استحباب زيارة القبور من قبل الرجال ويستند اتباع مدرسة الخلفاء إلى روايات منها: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة).[221] وهذا عندهم خاص بالرجال بالأخص في المدرسة السلفية التي سناتي على ذكرها. إذن: نقطة الاتفاق بين المسلمين جميعًا أنه يستحب ويحسن أن يزور الإنسان المقابر والقبور لما فيه من أثر وعظي وتربوي واخلاقي. وانفردت المدرسة السلفية بين المسلمين جميعًا من السنة والشيعة بأمرين: الأول: منع النساء من زيارة القبور والمقابر واستندوا إلى رواية ناقشها سائر المسلمين مفادها أن النبي صلى الله عليه وآله (لعن زوّارات القبور)،[222]وفي هذه الرواية نقاش طويل من حيث سندها ودلالتها ومعارضتها بما هو أقوى من الروايات، وبما عليه سيرة المسلمات في أدوار مختلفة من تاريخ الإسلام، كما أن سيرة المتشرعة من المسلمين والمسلمات تخالف ذلك. الآخر: المنع المشدد من بناء الأضرحة والمشاهد والقباب والسقوف على القبور سواء أكانت قبور أنبياء أو أوصياء أو اولياء صالحين. فلا يجوز عندهم ذلك، بل إذا ضم إليه بعض الممارسات كالطواف حول القبر -كما يقولون- أو الدعاء والاستغاثة بصاحب القبر هناك؛ فإن هذا ليس بدعة فقط، بل يرقي إلى حد الشرك بالله عز وجل. هذا فيما يرتبط بالمدرسة السلفية، وبناء على ذلك فإنهم يرون هدم الأبنية والأضرحة والقباب المقامة على القبور أمرًا طبيعيًا؛ فإنه يمنع في نظرهم الشرك وهو إزالة البدع، وعلى هذا الأساس تم تهديم مقابر وأضرحة وقباب في فترات مختلفة من سيطرة أصحاب هذا الرأي. وهذا الرأي - أي رأي المدرسة السلفية - لا يتفق وعموم المسلمين الذين يرون مشروعية البناء على القبور وجواز اتخاذ الأضرحة بما في ذلك القباب، بل استحباب ذلك أيضًا لما يقيمونه من الأدلة وما عليه من سيرة المسلمين في تاريخ الإسلام. المدرسة الإمامية في طليعة المسلمين الذين يرون اتخاذ المقابر والمشاهد والأضرحة والقباب على قبور الانبياء وعلى قبور الأوصياء هو من مظاهر مودتهم لأنبياء الله وأوليائه، ومن مظاهر مودتهم لعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وخلفائه. وهذا يرقى في أحاديث كثيرة التي منها (من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس) ينقلونه عن رسول الله صلى الله عليه وآله عندما سأله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ما لمن عمّر قبورنا؟ يشكل نقطة جذب لعباد الله لكي يذكروا الله في ذلك المسجد، ويصلون إليه ويقرؤون آياته، ويتعبدونه. كذلك هذه الأضرحة والمشاهد والمقابر المبنية ستقوم بنفس الدور في جذب الناس باتجاه الايمان، وعبادة الله وذكره وقراءة القرآن، وهو الدور ذاته الذي مارسه بناء بيت المقدس وسوف تمارسه المقابر وهذه المشاهد والاضرحة. وعند الامامية روايات أكثر من هذا.[223]
--> 223 ] ما قاله رسول الله (ص) للإمام علي (ع): يا أبا الحسن إن الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها، وان الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحن إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله مودة منهم لرسوله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي، وهم زواري غدا في الجنة. 221 ] صحيح مسلم: ج3، ص65. 222 ] مسند أحمد بن حنبل: ج2، ص337، وسنن الترمذي: ج2، ص259.