فوزي آل سيف
56
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
خامسًا/ موقف الإمام في فتنة خلق القرآن ما هي قضية خلق القرآن؟ أ/ هي قضية انقسم حولها المسلمون إلى ثلاث فئات؛ الأولى مثبتة لكون القرآن مخلوقًا وهم المعتزلة بشكل أساس. والثانية نافية لكونه مخلوقًا وقائلة بأنه قديم وهم الأشاعرة وأهل الحديث خصوصًا. والثالثة: رافضة للنقاش في أصل الموضوع باعتباره قضية ملهاة لا ثمرة حقيقية لها، وهم الإمامية، ويتفق معهم في نفس النتيجة الخوارج كما نسب لهم. ب/ يذهب باحثون إلى أن أصل إثارتها بشكل واسع كانت على يد القس المسيحي يوحنا الدمشقي[190]فإنه كما قال د. جواد علي[191]ألّف رسالة يناقض فيها أفكار المسلمين (مع أنه كان في أعلى مراكز السلطة الأموية) ويعلّم المسيحيين كيفية المناظرة مع المسلمين وإبطال مقولاتهم والانتصار للمسيحية.. فمما جاء فيها: "إذا سألك العربي ما تقول في المسيح؟ فقل له إنه كلمة الله. ثم ليسأل النصراني المسلم: بِمَ سُمّي المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم فإنه سيضطر إلى أن يقول: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ). فإذا أجاب بذلك فاسأله: هل كلمة الله وروحه مخلوقة أو غير مخلوقة؟ فإن قال مخلوقة فليرد عليه بأن الله إذن كان ولم تكن له كلمة ولا روح، فإن قلت ذلك فسيفحم العربي، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين». ويعني ذلك أن عيسى لما كان كلمة الله، وكلمة الله قديمة فإذن عيسى قديم (وهو تعبير عن الاشتراك في الالوهية) وليس مخلوقا أو حادثا! ولكي يرد المعتزلة هذه الشبهة قالوا إن كلام الله، والقرآن الكريم هو حادث ومخلوق، فإذا كان كذلك فلا يلزم أن يكون عيسى قديما (أزليا) فتبطل حجة المسيحيين. ج/ كان توجه أهل الحديث هو الإقرار بأن كلام الله (وبالتالي القرآن) قديم، بينما قال مخالفوهم بخلاف ذلك وصرح به بشكل أساس ولو لأجل رد المسيحيين، الجعد بن درهم الذي قتله خالد القسري ـ والي هشام بن عبد الملك ـ على أفكاره كما يُزعَم، وتلميذه الجهم بن صفوان الذي تكونت باسمه جماعة تنسب إليه، أو أطلق أهل الحديث عليهم ذلك (الجهمية). د/ وبالرغم من أن المسألة كانت موجودة في الوسط المسلم، إلا أنها لم تتحول إلى قضية القضايا إلا في زمان المأمون العباسي بدءا من سنة 218 هـ حيث أقدم على محاولة إلزام الفقهاء أولًا ثم الناس ثانيًا بالإيمان بفكرة خلق القرآن حيث أنه كان يعتقد بها تبعا لمناصرته لآراء المعتزلة (والجهمية). واعتبر أهل الحديث أن الموضوع يمس أصل الدين، ولا سيما وأن فكرتهم فيه أن من قال بخلق القرآن فهو كافر! فخاضوا المعركة بكل ما يستطيعون، ولكن سلطة المأمون كانت تتابع الفرض للفكرة بلا هوادة، فلجأ بعض الفقهاء لقبول رأي رجال السلطة تقية وأجابوهم إلى ما دعوهم، وبقي قسم آخر ذكروا أن منهم أحمد بن حنبل الشيباني (إمام المذهب الحنبلي) رفضوا وأصروا على موقفهم مع تعرضهم للأذى. هـ/ مع وفاة المأمون أيضا في سنة (218 هـ) أوصى أخاه محمدًا المعتصم العباسي بأن يتابع سياسته في إلزام الناس بالاعتقاد بخلق القرآن، وهو الذي فعله المعتصم خصوصا مع حضور قاضيه المتحكم أحمد بن أبي دؤاد الأيادي، واستمرت المساءلة والفرض كما كانت أيام المأمون إلى أن مات المعتصم، وجاء بعده ابنه هارون الواثق العباسي وتابع سياسة أبيه وعمه..
--> 190 ) هو من أسرة مسيحية هي أسرة سرجيوس (وفى بعض المصادر سرجون) ويظن أنه كان حاكما لدمشق قبل فتح المسلمين لها واتخذه معاوية مستشارا له في الشؤون المالية مع بقائه معتنقا لدينه المسيحي، وكان حفيده يوحنا الدمشقي يشرف على الشؤون المالية بدوره لعهد عبد الملك بن مروان، وقد ألّف يوحنا هذا عدة كتب مضادة للاسلام وهو في موقعه ذاك! وتوفي حوالي سنة 132 هـ. 191 ) علي؛ د. جواد: مجلة الرسالة610/ 6