فوزي آل سيف

57

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

د/ لكن الأمر ما لبث أن تغير وانقلب رأسًا على عقب، عندما جاء بعد الواثق أخوه جعفر المتوكل العباسي حيث مال إلى أهل الحديث وأعلى من شأن الحنابلة وإمامهم أحمد، وأخذ يعرض الناس بعكس ما كان يصنع أبوه المعتصم وعمه المأمون وأذاق أنصارهما القائلين بخلق القرآن ألوان الإيذاء، وسقاهم الكأس المصبَّرة التي سقوا غيرهم إياها. ونفس أهل الحديث الذين كانوا قد أوذوا في ما سبق وجربوا قسوة الظلم عليه، ها هم الآن يقومون بنفس العمل مع غيرهم! حتى لقد نقل عن أحمد بن حنبل قوله: " «فَمَنْ قالَ: مَخْلُوقٌ، فهو كافرٌ باللَّه العَظِيْمِ، ومَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ فهو كافِرٌ... واحْذَرُوا رأَي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهُ صاحِبُ رَأْيٍ، وكَلام وخُصُوْمات، فَقَدْ أَجْمَع مَنْ أَدْرَكْنا من أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ الجَهْمِيَّة افتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ؛ فَقالَتْ طائِفة مِنْهُمْ: القُرآنُ كَلامُ اللَّهِ مَخْلُوْق. وقالَتْ طائِفَة: القُرْآنُ كَلامُ اللهِ. وسَكَتَتْ، وهي الواقِفَةُ المَلْعُوْنَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أَلْفاظُنا بالقُرآنِ مَخْلُوْقَةٌ. فكلُّ هؤلاء جَهْمِيَّة كُفّار، يُسْتَتابُوْنَ، فَإِنْ تابُوا وإِلا قُتِلُوا. وأَجْمَعَ منْ أَدْرَكْنا مِنْ أَهْل العِلْمِ: أَنَّ مَنْ هذِه مَقالَتُهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ لَمْ يُناكَحْ، ولا يَجُوْزُ قَضاؤُه، ولا تُؤْكَلُ ذَبِيْحَتُهُ»".[192] توجيه الإمام الهادي في هذه الفتنة: عاصر الإمام الهادي عليه السلام أيام اشتداد هذه الفتنة في إمامته (التي بدأت من 220 هـ) وذلك في زمان المعتصم والواثق وهما يناصران القول بخلق القرآن، وعاصر أيضا زمان اشتدادها في الطرف الآخر المعاكس زمان المتوكل العباسي ومن جاء بعده، أي أن إمامته عليه السلام كانت في إبان اشتداد هذه الفتنة بداية ونهاية! ومن الكلمات الجميلة في وصف ذلك الصراع ما قاله الدكتور المهاجر:" أقل ما ينبغي أن يقال على النزاع هو أنه عبَثٌ في عبثٍ، وهو أيضا تفريط وتضييع للطاقة الفكرية فيما لا يعود بغير الضرر على الجميع؛ أهل السياسة رموا منه إلى شيء، وأهل الحديث إلى غيره، وأهل الحكمة والرأي إلى ثالث. على أنه ثمة أمر جامع بينهم هو أن كلّا منهم كان يعمل على التنكيل بخصومة مستعينا بالسلطة حين يتأتى له.."[193] بعد هذه المقدمات حول أصل الصراع ـ الفتنة، ونتائجه سنفهم لماذا كان موقف الإمام الهادي عليه السلام بالنحو الذي بينته الروايات عنه، سواء تلك التي كانت على شكل توجيهات ابتدائية قام بها لبعض شيعته بمبادرة منه، ومن دون سؤال منهم أو تلك التي سئل الإمام فيها وطلب منه تحديد موقف: ـ فقد كَتَبَ[194]عَلِيُّ (الهادي) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام إِلَى بَعْضِ شِيعَتِهِ بِبَغْدَادَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الْفِتْنَةِ فَإِنْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَعْظَمَ بِهَا نِعْمَةً! وَإِنْ لَا يَفْعَلْ فَهِيَ الْهَلْكَةُ نَحْنُ نَرَى أَنَّ الْجِدَالَ فِي الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ اشْتَرَكَ فِيهَا السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ فَيَتَعَاطَى السَّائِلُ مَا لَيْسَ لَهُ وَيَتَكَلَّفُ الْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْخَالِقُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَا تَجْعَلْ لَهُ اسْماً مِنْ عِنْدِكَ فَتَكُونَ مِنَ الضَّالِّينَ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ).[195] ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد من قبل أئمة أهل البيت عليهم السلام فإننا نعثر على روايات عن الإمام الصادق عليه السلام؛ ويفترض أن ذلك كان في أوائل صدور هذه الشبهة التي بثها يوحنا الدمشقي (ت حوالي سنة 132 هـ)، وكذلك توجد روايات عن الامام موسى الكاظم وابنه علي بن موسى الرضا عليهما السلام. ولا يعني عدم الخوض في النقاش انهم لا قول لهم فيها، بل قولهم أنه مخلوق إذ أنه ما سوى الله، وما سوى الله مخلوق[196]حتى لقد كان هذا المعنى معروفًا ـ كقاعدة ـ فقد روي عن أبي هَاشِمٍ (الجعفري) أنه قال:‏ إِنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي أَشْتَهِي أَنْ أَعْلَمَ مَا يَقُولُ أَبُو مُحَمَّدٍ (الحسن العسكري) عليه السلام فِي الْقُرْآنِ أَهُوَ مَخْلُوقٌ؟ أَوْ أَنَّهُ‏ غَيْرُ مَخْلُوقٍ‏ وَالْقُرْآنُ سِوَى اللَّهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَمَا بَلَغَكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَمَّا نَزَلَتْ‏ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خَلَقَ اللَّهُ لَهَا أَرْبَعَةَ آلَافِ جَنَاحٍ فَمَا كَانَتْ تَمُرُّ بِمَلَاء مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا خَشَعُوا لَهَا، وَقَالُوا: هَذِهِ نِسْبَةُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

--> 192 ) الرباط؛ خالد وآخرون: الجامع لعلوم الإمام أحمد – العقيدة 3/ 40: وبهذا المعنى فإن كل المسلمين كفار باستثناء فئة من الحنابلة ـ وليس كلهم ـ فإن بعضهم يتوقف، والبعض الآخر يؤمن بكونه غير مخلوق لكن لفظه وقراءته للقرآن هي مخلوقة وهذان بحسب النص أيضا من الواقفة الملعونة، والجهمية وهم يستتابون من هذه المقالة فإن رجعوا وإلا قتلوا!! بهذه البساطة. 193 ) المهاجر: الإمام الهمام الهادي 142 194 ) الصدوق: التوحيد ٢٢٤ 195 ) الأنبياء: 49 196 ) الخزعلي؛ أبو القاسم: موسوعة الإمام العسكري ١/٣٠٢