فوزي آل سيف
55
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
1/ في البداية ثبت الإمام مرجعية القرآن في الأمة حيث أقرت به واجتمعت على كونه وحيًا من الله، وحين كان كذلك فكل حديثٍ عُرض على القرآن وصدقه فيلزم كل الأمة الإقرارُ به، وإلا يلزم الجاحدَ الخروجُ عن الملة. و"أول خبرٍ يعرف تحقيقه من الكتاب وتصديقه والتماس شهادته عليه خبر ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفه أقاويلهم، حيث قال: " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي - أهل بيتي - لن تضلوا ما تمسكتم بهما وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "[183]وتصديقه في كتاب الله آية التصدق بالخاتم في الركوع[184]وتصديقه من سنة رسول الله في حديث الغدير والمنزلة..وغيرهما. 2/ ثم نقل الإمام الهادي عليه السلام ما قاله جده الصادق عليه السلام حين سئل: هل أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال: "هو أعدل من ذلك.[185]فقيل له: فهل فوّض إليهم؟ فقال عليه السلام: هو أعز وأقهر لهم من ذلك"[186]. وكذلك تقسيم الإمام اعتقادات الناس في التكليف من حيث الاختيار والجبر إلى ثلاثة أقسام: الناس في القدر على ثلاثة أوجه: ـ رجل يزعم أن الامر مفوض إليه فقد وَهّن الله في سلطانه فهو هالك (أي جعله ضعيفًا). ـ ورجل يزعم أن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون فقد ظَلّم الله في حكمه (أي جعله ظالما) فهو هالك! ـ ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ" (أي بلغ الغاية الصحيحة) وهو ما يذهب إليه الإمامية. إن " من زعم أن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها. ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه ورد عليه قوله: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)[187]. وقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).[188] 3/ ثم شرع عليه السلام في بيان إبطال التفويض (الاختيار المطلق) الذي ذهب إليه المعتزلة فـ "من زعم أن الله تعالى فوض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير وشر، أبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعلة ما زعم أن الله فوضها إليه لان المفوض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الايمان كان غير مردود عليه ولا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه.." وإنما حقيقة الأمر هي " إن الله عز وجل خلق الخلق بقدرته، وملّكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد فقبل منهم اتباع أمره ورضي بذلك لهم. ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها ولله الخيرة في الأمر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به وينهى عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه، لأنه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة"[189]. 4/ وهكذا استمر عليه السلام في تلك الرسالة يستدل بآيات القرآن الكريم في أن الأمر بين المنزلتين، فلا جبر ينتهي الاعتقاد به إلى ظلم الله سبحانه لعباده إن أجبرهم على المعصية ثم عاقبهم، ولا تفويض أو قدرة مطلقة على التصرف ينتهي الاعتقاد به إلى نفي سلطة الله على الكون وتوهين حكمه على عباده.. وإنما أمر بين الأمرين. ومن أحب تفصيل المطلب فليرجع إلى رسالته عليه السلام التي أرسلها إلى أهل الأهواز، ونقل نصها الشيخ أبو الحسن الحراني في كتابه تحف العقول.
--> 183 ) في شرح الحديث ومصادره ومعناه وما يرتبط به يمكن الرجوع إلى سلسلة أحاديثنا: عترة النبي ( المعصومون). 184 ) إنما وليكم 185 ) وهو الذي التزم به الاتجاه الجبري الذي نحن بصدد الحديث عنه وأنه لو أجبرهم على المعاصي ثم عاقبهم عليها لكان ظالما لهم والله أعدل من أن يفعل ذلك! 186 ) وهذا هو الاتجاه الذي قال به بعض تيارات المعتزلة أصحاب التفويض وأن الإنسان قادر على ما يريد! وكأنهم بذلك يجعلونه خارجا عن القدرة الإلهية ويجيبهم الإمام بأن الله أعز من أن يفوض للعباد كل ما يعملون ( ويستقيل من التأثير)! 187 ) الكهف:49 188 ) الحج:10 189 ) الحراني: تحف العقول ٤٧٦