فوزي آل سيف
52
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
غير أن إمامنا الهادي عليه السلام يستدل بآية أخرى لتوضيح المعنى، وهو التفسير الذي يعززه بعض ما روي من طريق مدرسة الخلفاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وذلك أن الإمام عليه السلام يجمع بين آيتين ورد فيهما هذا التعبير (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) و (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فهو يقرر في الأولى: أنهم ما قدروا الله حق قدره، وذلك بأنهم قالوا بأن الله لم ينزل الكتاب على بشر! ثم يرد عليهم: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى؟ ويخاطبهم بأنكم بقولكم ذاك لم تعرفوا الله حق معرفته. وفي الثانية يقرر: أنهم ما قدروا الله حق قدره، وذلك بأنهم قالوا بأن الأرض في قبضته (بالمعنى الحرفي للقبضة) والسماوات كذلك! فيرد عليهم منزها نفسه عن القبضة واليمين بالمعنى الحرفي بأنه: سبحانه وتعالى عما يشركون. هكذا كان استدلال الإمام عليه السلام. ويؤيده ما روته العامة في كتبهم بأنه: «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}».[173] فبناء على هذا الخبر لو تم يمكن استفادة أمور: 1/ أن فكرة أصابع الله (والتي مر الحديث عنها في صفحات سابقة وأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه) هي فكرة يهودية بامتياز تسربت إلى ساحة الحديث والرواية. 2/ ضمن هذه الفكرة فإن الحبر اليهودي فصل الأمر بحيث جعل السماوات على اصبع والارضين على اصبع والشجر كذلك والماء.. الخ.. فضحك النبي ساخرا من هذا الفهم الساذج. 3/ إن أهل الحديث والحشو فسروا ضحك النبي ـ في الرواية المذكورة ـ من عند انفسهم وتبرعوا بذلك فقالوا: فضحك حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر!! ومن أين علموا بأن ذلك كان لتصديقه وليس للسخرية من هذه السذاجة، التي تذكرنا بالقول: أن النملة لو تصورت ربها لتصورت له قرنين! 4/ على ذلك القول الذي قاله اليهودي بأن السماوات هكذا والأرضين، نزل القرآن الكريم بأنه (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وهو منطبق على اليهود وكثيرا ما خاطبهم القرآن بذلك. وفي الواقع هذا تعيير كما قال الإمام وعيب لمن شبه الله بخلقه! الخامسة: ما روي عن إبراهيم بن محمّد الهمدانيّ قال: كتبت إلى الرّجل (تعبير عن الإمام علي الهادي عليه السلام): أنّ من قِبلَنا من مواليك قد اختلفوا في التوحيد، فمنهم من يقول: جسم، ومنهم من يقول: صورة، فكتب عليه السلام بخطّه: " سبحان من لا يحدّ ولا يوصف، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" السادسة: وقد تحولت هذه إلى عقيدة معروفة بين الإمامية، فهذا هو السيد عبد العظيم الحسني (وهو من خلص أصحاب الإمام الهادي) يعرض عقائده ودينه عليه، ويؤكد على نفي الجسمية والتشبيه وما يقوله أتباع المنهج الحشوي:" قال: دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام فلما بصر بي قال لي: مرحبا بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا. قال: فقلت له: يا بن رسول اللّه إنّي أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيّا أثبت عليه حتّى ألقى اللّه عزّ وجلّ. فقال: هات يا أبا القاسم، فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى واحد، ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين حدّ الإبطال وحدّ التّشبيه، وإنّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام، ومصوّر الصّور، وخالق الأعراض والجواهر، وربّ كلّ شيء..
--> 173 ) صحيح البخاري 6/ 126 ط السلطانية، وصحيح مسلم 4/ 2147 ت عبد الباقي