فوزي آل سيف

53

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وبعد أن عرض عليه تمام عقائده، قال له الإمام: يا أبا القاسم هذا واللّه دين اللّه الّذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبّتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة".[174] رابعًا / الإمام في مواجهة الاتجاه الجبري والقدري تختلف المعاني المرادة في التعبير بالقدرية أو الاتجاه القدري، وسنستعمل هذا اللفظ هنا ضمن معناه الذي يتواءم مع الاتجاه الجبري، ويرى أن أفعال الإنسان مكتوبة عليه ومقدرة من الأزل، وكأنه لا يملك فكاكا منها، لأنه لو فعل ذلك لتخلف علم الله وانقلب إلى جهل! ولا ينبغي أن يظن الظان أن المسألة ترف نظري، يتناقش فيه بعض العلماء، وإنما كانت سياسة مستمرة عمل على تكريسها الحاكمون بدءا من بني أمية[175]وانتهاء ببني العباس، ولذلك صح ما قيل من أن (الجبر والتشبيه أمويان والعدل والتنزيه علويان). وقد بقي خط الجبر والتشبيه في أيام بني العباس هو التيار الرسمي الغالب. وأول ما يلحظ الانسان فيه هو الاستفادة السياسية التي يؤمنها التوجه القدري والجبري للحاكمين، فإنه من جهة يرفع المسؤولية عن الناس في الإصلاح والتغيير ما دام هذا الذي نراه من الفساد والانحراف هو أمر مكوَّن ومكتوب من السماء بل الخالق هو الذي خلقنا (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ).[176] بل يرفع المسؤولية عن انحرافات الحاكمين أنفسهم الذين سوف ينسبون هذه الأفعال للباري سبحانه! فهل نسينا قول ابن زياد لزينب عليها السلام[177]أو كلامه للإمام السجاد عليه السلام.[178] كما يرى هذا الاتجاه أن هذا الأمر مكتوب من مئات أو آلاف السنين وبالتالي فلا مجال لتغييره أو تبديله. بل نستطيع أن نلاحظ أن هذا الاتجاه يحظى بمقبولية بين قسم كبير من الناس، وذلك لأنه قد يبرر لهم كسلهم وتخلفهم، فحتى لا يحرج البعض أمام تخلفه يتوسل بأن الله قد كتب عليه وعلى أمثاله هذا المصير! ويبرر البعض حتى ذنوبه وانحرافاته بمثل هذه الأفكار بأن تلك هي " كِتْبة الباري" و " قدر الله الذي لا مفر منه" وأمثال ذلك، حتى لقد صارت مثل هذه الأفكار حوارًا بين نبيي الله آدم وموسى! فقد رووا عن أبي هريرة عن رسول الله « احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، ‌خَيَّبْتَنَا ‌وَأَخْرَجْتَنَا ‌مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ - وَقَالَ مَرَّةً: بِرِسَالَتِهِ -، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ: حَجَّ آدَمُ مُوسَى، حَجَّ آدَمُ مُوسَى، حَجَّ آدَمُ مُوسَى ».[179] وفي مقابل هذا التوجه كانت أحاديث أئمة الهدى عليهم السلام تقضي بمسؤولية الإنسان عن أعماله، ثوابا وعقابا، ولا يتعارض ذلك مع علم الله سبحانه وتعالى به وبعمله بها، كما لا يتعارض مع قدر الله سبحانه وقضائه، فإن كل واحد من البشر مع أنه يعلم بأنه تحت نظر الله وبعلم الله ما يقوم به من صغير الأعمال وكبيرها، يرى نفسه في ذات الوقت قادرا على الفعل والترك، وليس مجبرا على اتجاه معين.. وإلا لبطل الثواب والعقاب.

--> 174 ) الصدوق؛ محمد بن علي بن بابويه: كمال الدين وتمام النعمة ٤١٠ 175 ) د جواد علي: مجلة الرسالة611/ 16 بترقيم الشاملة آليا: « وبنو أمية كانوا يكرهون القول بحرية الإرادة، لا ديناً فقط، ولكن سياسياً كذلك، لأن الجبر يخدم سياستهم. فالنتيجة للجبر أن الله الذي يسير الأمور قد فرض على الناس بني أمية كما فرض كل شيء ودولتهم بقضاء الله وقدره. فيجب الخضوع للقضاء والقدر. كذلك أتى عطاء بن يسار ومعبد الجهني الحسن البصري وقالا: يا أبا سعيد، هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ويقولون إنما تجري على قدر الله تعالى». 176 ) الصافات: 96 فسرها عبدة الطاغوت بأن أعمالكم هذه ( من الحسنات والسيئات ) قد خلقها الله، في حين أن المتكلم بها هو نبي الله إبراهيم عليه السلام محتجا على عبدة الأصنام بأنهم كيف يعبدون ما ينحتون؟ والحال أن الله هو الخالق لهم ولما صنعوه من حجر وخشب، وغير ذلك؟ 177 ) ابن أعثم الكوفي؛ أحمد: الفتوح ٥/١٢٢: فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم! فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا في كتابه تطهيرا، وإنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر. فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟ 178 ) المصدر نفسه 123: فالتفت ابن زياد إلى علي بن الحسين رضي الله عنه قال: أو لم يقتل علي بن الحسين ؟ قال: ذاك أخي وكان أكبر مني فقتلتموه وإن له مطلا منكم يوم القيامة، فقال ابن زياد: ولكن الله قتله! 179 ) مسند أحمد 12/ 343 ط الرسالة: وقد علق على الحديث بعضُهم بما يثبت الموضوع الجبري وأن الإنسان ليس مستقلا في الفعل ولا متمكنا من الترك بقوله: «أي غلب عليه بالحجة بأن ألزمه بأن العبد ليس بمستقل بفعله ولا متمكن في تركه بعد أن قضى عليه من الله تعالى. وما كان كذلك لا يحسن اللوم عليه عقلا »!