فوزي آل سيف
4
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
وقد صرح بذلك علي بن مهزيار وهو من ثقات الإمام الجواد عليه السلام ووكلائه، فقال: قلت لأبي الحسن (الهادي) عليه السلام: إنّي كنت سألت أباك عن الإمام بعده فنصّ عليك.[11] 5/ ردة فعل المعتصم العباسي على إمامة الهادي: لاحظنا في سيرة المعصومين عليهم السلام أن الحكام (ولا سيما العباسيين) قد اختلفت ردود فعلهم تجاه تولي الأئمة أمر الإمامة فعليا، فبينما أمر المنصور العباسي واليه على المدينة أن يقتل من أصبح وصيا للإمام جعفر الصادق عليه السلام وإماما بعده، لولا خطة محكمة كان قد أعدها الإمام الصادق عليه السلام كفلت – بعد حفظ الله – أن يسلم الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وقريب من ذلك كانت خطة هارون العباسي مع الإمام علي بن موسى الرضا، إلا أن طريقة المأمون العباسي اختلفت حيث حاول (احتواء) الإمام بزعمه، و(تحييده) عن شيعته في المدينة وعزله عنهم بجلبه إلى بغداد لبعض الوقت، ومحاولة جعله جزءًا من حواشي الخليفة وإظهار اهتمامه به! أما في ما يرتبط بالمعتصم العباسي (محمد بن هارون) فقد فكر – بسقيم رأيه – أن عليّا الهادي ما دام صغير السن (8 سنوات) فإن توكيل أحد علماء مدرسة الخلفاء بتعليمه وتثقيفه سيخرجه من دائرة علم آبائه إلى دائرة أخرى، وفصله عن شيعته وأصحاب أبيه سيشتت الشيعة حيث لا يوجد لديهم محور يدورون حوله، لا سيما وأن أخاه (موسى المبرقع) لم يكن محل ثقة شيعة أبيه ولم يحمل من العلم ما ينبغي، وكان أصغر منه سنا! فهي ضربة في رأي المعتصم في الصميم، تقضي على التشيع كجماعة ومدرسة، وتنهي خط الإمامة عندما يتثقف ابن الجواد بثقافة وعلم منسجم مع تيار الخلافة الذي لا يرى لآبائه فضلا. نقول بسقيم رأيه هذا إذا كان عنده رأي[12]حتى يوصف بالسقم! لأننا رأينا سائر الخلفاء العباسيين – مع عدائهم – لأئمة الهدى عليهم السلام إلا أنهم كانوا يعرفون تميزهم وعلمهم الفائق على من عداهم، وأنهم " زُقوا العلم زقًّا".[13] بناء على هذا فقد أمر المعتصم العباسي واليَه على المدينة عمر بن الفرج الرخجي بتنفيذ هذه الخطة التي أشار إليها المسعودي في إثبات الوصية[14]فقال: قدم عمر بن الفرج الرخجي[15]المدينة حاجّا بعد مضي أبي جعفر (الجواد) عليه السّلام فأحضر جماعة من أهل المدينة المخالفين والمعاندين لأهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقال لهم: ابغوا لي رجلا من أهل الأدب و القرآن والعلم لا يوالي أهل هذا البيت لأضمّه الى هذا الغلام وأوكله بتعليمه وأتقدّم إليه بأن يمنع منه الرافضة الذين يقصدونه ويمسونه. فسمّوا له رجلا من أهل الأدب يكنى أبا عبد اللّه ويعرف بالجنيدي متقدما عند أهل المدينة في الأدب والفهم ظاهر النصب والعداوة فأحضره عمر بن الفرج و أسنى له الجاري من مال السلطان و تقدّم إليه بما أراد وعرّفه ان السلطان أمره باختيار مثله وتوكيله بهذا الغلام. قال: فكان الجنيدي يلزم أبا الحسن بِصِرْيا فاذا كان الليل أغلق الباب وأقفله وأخذ المفاتيح إليه. فمكث على هذا مدّة وانقطعت الشيعة عنه وعن الاستماع منه والقراءة عليه. ثم إني لقيته في يوم جمعة فسلّمت عليه وقلت له: ما فعل هذا الغلام الهاشمي الذي تؤدبه؟ فقال- منكرا عليّ-: تقول الغلام! ولا تقول الشيخ الهاشمي؟! أنشدك اللّه هل تعلم بالمدينة أعلم مني؟
--> 11 ) اللجنة العلمية: موسوعة الإمام الهادي ١/ ١٣٢ عن كفاية الأثر للخزاز القمي الذي نقل عشرات الأحاديث في النص على إمامته، بدءا من رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ثم الأئمة من بعده إلى زمان أبيه الجواد عليهم السلام. 12 ) ذكرنا شيئا من شخصيته وكرهه للعلم وبلادته في الأمور النظرية في كتابنا: الأعظم بركة؛ الإمام محمد الجواد 13 ) ابن منظور: لسان العرب: زق الطائرُ الفرخَ يزقه زقًّا وزقزقه غرّه وأطعمه بفيه. 14 ) المسعودي: اثبات الوصية ٢٣٠ المصدر والاشارة إلى تفرد المسعودي بها وأن ذلك لا يضر مع تبحر المسعودي ( نقل بعض الكلمات في حقه) وأنه إذا كان يمارس التقية في مروج الذهب فهو هنا لا يمارسها، على أن الحادثة تأتي في تمام الانسجام مع الوضع آنئد. 15 ) عمر بن الفرج الرخجي: من أسوأ نماذج خدمة السلطان، عبر عنه بعض الباحثين بأنه رجل المهمات القذرة ويكفي أنه استعمله المتوكل " على المدينة ومكة فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، ومنع الناس من البر بهم، وكان لا يبلغه أن أحدا أبر أحدا منهم بشيء وإن قل إلّا أنهكه عقوبة، وأثقله غرما، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة، ثم يرقعنه ويجلسن على معازلهن عواري حواسر» كما في مقاتل الطالبيين 479 وسيأتي في الصفحات القادمة ذكر بعض سيئاته.