فوزي آل سيف
5
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
قلت: لا. قال: فإنّي و اللّه أذكر له الحزب من الأدب أظنّ أني قد بالغت فيه فيملي عليّ بابًا فيه أستفيده منه. ويظنّ الناس أني أعلّمه، وأنا واللّه أتعلم منه[16]. كانت نتيجة (الخطة البائسة) التي وضعها المعتصم العباسي أن قال الجنيدي بإمامة الإمام الهادي عليه السلام، بدلا من أن يغير فكرة الإمام وثقافته! وأصبح من الدعاة اليه متعجبا من هذا الرجل الذي " مات أبوه بالعراق وهو صغير بالمدينة و نشأ بين هذه الجواري السود، فمن أين علم هذا؟" وأن الجنيدي كان يذكر له " من السور الطوال ما لم يبلغ إليه فيهذّها بقراءة لم أسمع أصحّ منها من أحد قط بصوت أطيب من مزامير داود النبي عليه السّلام الذي إليها من قراءته يضرب المثل".[17] لا يذكر التاريخ المدة التي بقي فيها الإمام عليه السلام في ما يشبه الحجز والاعتقال المنزلي الذي فرضه المعتصم العباسي بواسطة واليه الرخجي، لكننا لا نعتقد أنها كانت طويلة إذ ما لبث أن ظهر على (المعلم الجنيدي) آثار الإعجاب بشخصية الإمام، والإيمان بعلمه الاستثنائي، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تنهي الحكومة هذه المهمة!! إلا أنه عليه السلام بعد هذه المدة عاش في المدينة في وضع طبيعي، وذلك لما نعتقده من أن المعتصم العباسي انشغل بأمور أخر في بغداد وأطراف الدولة؛ فمن جهة وعلى أثر تصاعد غضب الناس من تجاوزات الميليشيا التركية التي شكلها لحماية شخصه وحكومته، حيث تغولت هذه الميليشيا العسكرية واستقوت يوما بعد يوم من أول أيام خلافته سنة 218 هـ، إلى أن أصبحت لا تطاق في تدخلها في حياة الناس[18]، فصار العزم على نقلها والانتقال معها إلى سامراء (130 كم عن بغداد)، وبدئ في تخطيط سامراء وبنائها منذ سنة 221 هـ، وكان ممن الطبيعي أن ينشغل بهذا المشروع الكبير عما سواه. ويحتمل بعض المؤلفين[19]أنه تم الانتقال إليها سنة 222 هـ. وكذلك شغله عن التعرض للإمام عليه السلام، انشغاله بمحاربة من قام ضده في حركات داخلية كما حصل مع بابك الخرمي (222 هـ) والمازيار في طبرستان (224 هـ) وتوسط بينهما ما قيل من معركة عمورية مع الروم[20]في سنة (223 هـ) وما جاءت سنة (227 هـ) إلا وقد هلك المعتصم العباسي بالنحو الذي قال عنه دعبل الخزاعي وعمن خلفه: خليفة مات لم يحزن له أحد وآخر جاء لم يفرح به أحد 6/ الإمام في زمان ما بعد المعتصم العباسي: كان للمعتصم ثلاثة أبناء تولوا الخلافة: هارون المعروف بالواثق، وجعفر المعروف بالمتوكل، وأحمد المعروف بالمستعين، وقد عاصر الإمام الهادي عليه السلام هؤلاء الحكام جميعا، واستشهد بواسطة المعتز العباسي بن المتوكل الذي خلعه الأتراك ومات سنة 255 هـ.
--> 16 ) المسعودي: اثبات الوصية 231 17 ) نفس المصدر 18 ) الطبري؛ محمد بن جرير: تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري ٩/١٨ يذكر من ذلك موارد منها: أنه رئي المعتصم راكبا منصرفا من المصلى في يوم عيد أضحى أو فطر، فلما صار في مربعة الحرشى، نظر إلى شيخ قد قام إليه، فقال له: يا أبا إسحاق، قال: فابتدره الجند ليضربوه، فأشار إليهم المعتصم فكفهم عنه، فقال للشيخ: مالك! قال: لا جزاك الله عن الجوار خيرا! جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا، فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت بهم نسواننا، وقتلت بهم رجالنا! والمعتصم يسمع ذلك كله، قال: ثم دخل داره فلم ير راكبا إلى السنة القابلة في مثل ذلك اليوم، فلما كان في العام المقبل في مثل ذلك اليوم خرج فصلى بالناس العيد، ثم لم يرجع إلى منزله ببغداد، ولكنه صرف وجه دابته إلى ناحية القاطول، وخرج من بغداد ولم يرجع إليها.. و ما ذكره ابن الأثير في الكامل لا يخرج عما ذكره الطبري. وكذلك يقول المسعودي: «و كانت الاتراك تؤذي العوام فى مدينة السلام بجريها الخيول في الأسواق و ما ينال الضعفاء و الصبيان من ذلك، فكان اهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة او شيخ كبير او صبي او ضرير. فعزم المعتصم على النقلة منهم». و يقول ايضا بنفس المعنى «و كان السبب في ذلك ان اهلها كرهوه و تأذوا بجواره حين كثر عبيده من الاتراك و غيرهم من الاعاجم، لما كانوا يلقونه منهم و من غلظتهم، و ربما و ثبت العامة على بعضهم فقتلوه لصدمهم اياهم في حال ركضهم، فأحب التنحي بهم و الانفراد عن مدينة السلام»" ونقل تلك النصوص وغيرها أحمد عبد الباقي في كتابه: سامراء عاصمة الدولة العربية. 19 ) عبد الباقي؛ أحمد: سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين: نسخة الكترونية 20 ) نعتقد أن تم النفخ في بالون تلك المعركة كثيرا وأن حقيقتها هي غير المسجلة في صفحات التاريخ الرسمي! ولتحقيق الحال فيها موضع آخر.