فوزي آل سيف
37
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
هذا لسان الروايات وهي واضحة في عَد فارس هذا غاليًا منحرف الاعتقاد، وأنه لم يكتف بانحرافه الشخصي بل كان داعيا إلى فتنته وبدعته وأنه كان يضل الناس، ويزعم أن الإمام أخبره بذلك ويعلم بفعله! ولذلك صدر اللعن عليه من الإمام، وأمر الناس بالابتعاد عنه، وهتكه وإبطال أمره، وأخيرا حيث لم يرعوِ عن ذلك صدر أمر قتله من الإمام. إننا نجد أن أمره كان واضحًا بهذه الصورة؛ فقد كان في منطقته وله معرفة بعقائد الإمامية أهلته لأن يكتب بعض الكتب كما نقل ذلك النجاشي، ومنها في رد الواقفة والاسماعيلية وهذا جعله يتبوأ مقامًا، ثم بدأ ينازع الوكيل الثقة للإمام الهادي وهو علي بن جعفر الهماني، وينافسه وفي هذه الأثناء ربما مال إليه بعض الناس وسلموه من أموال الخمس ونحوها، فخانها وصرفها لنفسه، وحدث على أثر ذلك مشكلة اجتماعية في منطقته فاستفتي الإمام في ذلك، ويظهر من بعض الرسائل أن الإمام اقتصر على تأييد علي بن جعفر وأنه لا يقاس غيره به، لكن فارسًا أغرق في النزع وصعّد الموقف لينشر أفكار الغلاة، ونشر بين الناس أنه: إذا كان علي بن جعفر هذا وكيلًا للإمام فإنه هو ـ أي فارس القزويني ـ يعرف عن الامام ما لا يعرفه علي بن جعفر ولا سائر الناس وأن باطن الإمام شيء آخر وأن فارسًا هو النبي وهو باب الإمام.. الى آخر ما قاله ويقوله الغلاة. وبدأ ينشر بدعته وفتنته في كل مكان يكون فيه، وهنا أصدر الإمام لعنه مكررًا في رسائل وكتب وأمام شيعته، بل وأمر بلعنه، ولم يزد ذلك فارسًا إلا إمعانا في غيه فصدر أمر الإمام بقتله. وهذا الذي قلناه ـ خلافًا للشيخ المهاجر ـ هو ما استقر عليه رأي رجاليي الشيعة الأقدمين والمتأخرين: ففي رجال الشيخ الطوسي قال: فارس بن حاتم القزويني، غال، ملعون. وفي رجال الكشي: قال نصر بن الصباح: الحسن بن محمد المعروف بابن بابا، ومحمد بن نصير النميري، وفارس بن حاتم القزويني، لعن هؤلاء الثلاثة علي بن محمد العسكري عليهما السلام ". وقال في: فارس بن حاتم القزويني وهو منهم (من الغلاة)[118] ما هي أفكار الغلاة وخطتهم؟ ومن خلال الرواية التالية يمكن لنا أن نتعرف على بعض أفكار الغلاة وكيف أنهم لا يقصدون في الحقيقة تعظيم الإمام ورفع منزلته وإنما يقصدون أن يرفعوا منزلة أنفسهم بادعائهم أنهم (أبواب الله!! وأنبياؤه) ويُسقطوا بتبع ذلك عن أنفسهم الواجبات ويفسحوا مجال الشهوات لأنفسهم! وإن كانوا يغلفونها بمفتريات مثل أن معرفة الإمام تكفي عن كل شيء!! وذلك فيما كتبه " بعض أصحابنا إلى أبي الحسن العسكري عليه السلام (يعني عليا الهادي): جعلت فداك يا سيدي ان علي بن حسكة يدعي أنه من أوليائك، وأنك أنت الأول القديم، وأنه بابك ونبيك أمرته أن يدعو إلى ذلك، ويزعم أن الصلاة والزكاة والحج والصوم كلُّ ذلك معرفتُك ومعرفةُ من كان في مثل حال ابن حسكة فيما يدعى من البابية والنبوة فهو مؤمنٌ كاملُ سقط عنه الاستعبادَ بالصلاة والصوم والحج، وذكر جميع شرائع الدين أن معنى ذلك كله ما ثبت لك، ومال الناس إليه كثيرا،[119]فان رأيت أن تمن على مواليك بجواب في ذلك تنجيهم من الهلكة. قال: فكتب عليه السلام: كذب ابن حسكة عليه لعنة الله وبحسبك أني لا أعرفه في مواليَّ ما له لعنه الله، فوالله ما بعث الله محمدا والأنبياء قبله الا بالحنيفية والصلاة والزكاة والصيام والحج والولاية، وما دعا محمد صلى الله عليه وآله الا إلى الله وحده لا شريك له. وكذلك نحن الأوصياء من ولده عبيد الله لا نشرك به شيئًا، ان أطعناه رحمنا، وان عصيناه عذبنا، ما لنا على الله من حجةٍ، بل الحجةُ لله عز وجل علينا وعلى جميع خلقه أبرأ إلى الله ممن يقول ذلك وانتفي إلى الله من هذا القول، فاهجروهم لعنهم الله وألجئوهم إلى ضيق الطريق فان وجدت من أحد منهم خلوة فاشدخ رأسه بالصخر.[120]
--> 118 ) الطوسي:2/٣٩٠ 119 ) من الطبيعي أن يميل كثير من الناس مع شهواتهم، فإذا توفر لهم غطاء ديني ـ بالظاهرـ يرخص لهم الشهوات ويرفع عنهم التكاليف والعبادات فإنهم سيتابعونه! 120 ) الطوسي: 2/٣٨٨